منتديات شباب عدن
اهلاَ وسهلاَ بكم في منتدى شباب عدن اذا كانت هاذه هي زيارتك الاولى نرجو التسسجيل معنا بالمنتدى


منتديات شباب عدن
اهلاَ وسهلاَ بكم في منتدى شباب عدن اذا كانت هاذه هي زيارتك الاولى نرجو التسسجيل معنا بالمنتدى

منتديات شباب عدن
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

منتديات شباب عدندخول

تعتذر اسره منتديات شباب عدن عن عدم اضافه جميع مسلسلات وبرامج رمضان 2017 لكن سيتم الاضافه عن قريب

description سلسلة تفسيرُ القرآن لابْن القيّم!؟ من كتاب تفسير ابْن القيّم الجوزية لبَعْض آيات القرآن! Empty سلسلة تفسيرُ القرآن لابْن القيّم!؟ من كتاب تفسير ابْن القيّم الجوزية لبَعْض آيات القرآن!

more_horiz
[size=16]باسم الله الرحمـان الرحيـم .. و الصلاة و السلام على أشــرف المــرسليـن ..

السـلام علــيـكـم و رحمـة الله تعـالى و بــركـاتـه
[/size]



[size=16][size=16] سلسلة تفسيرُ القرآن لابْن القيّم!؟ من كتاب تفسير ابْن القيّم الجوزية لبَعْض آيات القرآن! Slamny5[/size][/size]


[size=16]تمضي الأيـام .. لكن الذكرى تبقــى الماضــي مضـى .. و المضارع يمضي [/size]

[size=16]لذلك فلنطـوي صفحـة الماضـي و لنبــدأ بصفحات بيضــاء جديــدة [/size]

[size=16]و لنــجعل من من الذكريات الــوانا في كتابنا و لنــملئ صــفاحتنا البيــضاء بســطور ذهبية [/size]

[size=16]تعــكس جمالها على منتــدانا هذا .. [/size]



[size=16]الحمـد لله وحده نحمده و نشكره و نستعـينه و نستـغفره و نعـود بالله[/size]

[size=16] مـن شـرور أنـفسنا و من سيـئات أعمالنا .. [/size]

[size=16]من يـهده الله فلا مظل لـه و مـن يظـلل فلن تـجد له ولياً مرشدا ..[/size]

[size=16]و أشـهد ألا إلاه إلا الله وحده لا شريك له و أن محــمداً عبده و رسـوله صــلى الله عليه و[/size]

[size=16]سلم و على آله و صحبه أجمعين و من تبعهم بإحسـان إلى يوم الدين ..[/size]

[size=16] سلسلة تفسيرُ القرآن لابْن القيّم!؟ من كتاب تفسير ابْن القيّم الجوزية لبَعْض آيات القرآن! 31alhashme2 [/size]

[size=16]ربنا لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الـخـبــيـر .. [/size]

[size=16]ربـنـا لا فــهم لـنا إلا ما فهــمتنا إنــك أنـت الجــواد الـكـريـم . [/size]

 سلسلة تفسيرُ القرآن لابْن القيّم!؟ من كتاب تفسير ابْن القيّم الجوزية لبَعْض آيات القرآن! Cqq990%20%284%29

[size=21] سلسلة تفسيرُ القرآن لابْن القيّم!؟ من كتاب تفسير ابْن القيّم الجوزية لبَعْض آيات القرآن! Favil[/size]

[size=16] سلسلة تفسيرُ القرآن لابْن القيّم!؟ من كتاب تفسير ابْن القيّم الجوزية لبَعْض آيات القرآن! Ggggggggggg10[/size]



[size=25] زوار و أعضاء المنتدى أتيناكم اليــــومْ بهديّة متواضعة أضعُها بين أيادي أحبّائنا الكرام.[/size]

عبارة عن سلسلة تفسير ابْن القيّم لبَعْض آيات القرآن الكريم للعَالِمِ القيّم
محمد بن أبى بكر ابن قيم الجوزية!؟

نسأل الله تعالى أن ينفعَنا بِها!؟

العدد 1 ـ الجُزءُ الثّانِي



[ثم ذكر فصلين في الرقية بالفاتحة وتأثيرها مستشهدا بحديث أبي سعيد وببعض تحليلات نفسية ، وبتجاربه. ثم قال ].
فصل
في اشتمال الفاتحة على الرد على جميع المبطلين عن أهل الملل والنحل ، والرد على أهل البدع والضلال من هذه الأمة.
وهذا يعلم بطريقين ، مجمل ومفصل :
أما المجمل : فهو أن الصراط المستقيم متضمن معرفة الحق ،
__________
(1) رفل في ثيابه أطالها وجرها متبخترا من باب نصر.
تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 53
و إيثاره ، وتقديمه على غيره ، ومحبته والانقياد له ، والدعوة إليه ، وجهاد أعدائه بحسب الإمكان.
والحق : هو ما كان عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ، وما جاء به علما وعملا في باب صفات الرب سبحانه وأسمائه وتوحيده ، وأمره ونهيه ، ووعده ووعيده ، وفي حقائق الإيمان ، التي هي منازل السائرين إلى اللّه تعالى.
وكل ذلك مسلم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، دون آراء الرجال وأوضاعهم وأفكارهم واصطلاحاتهم ، فكل علم أو عمل أو حقيقة ، أو حال أو مقام خرج من مشكاة نبوته ، وعليه السكة المحمدية ، بحيث يكون من ضرب المدينة ، فهو من الصراط المستقيم ، وما لم يكن كذلك فهو من صراط أهل الغضب والضلال فما ثمّ خروج عن هذه الطرق الثلاث : طريق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وما جاء به ، وطريق أهل الغضب ، وهي طريق من عرف الحق وعانده ، وطريق أهل الضلال ، وهي طريق من أضله اللّه عنه. ولهذا قال عبد اللّه بن عباس وجابر ابن عبد اللّه رضي اللّه عنهم : «الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ : هو الإسلام» وقال عبد اللّه بن مسعود و
علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهما : «هو القرآن»
و فيه حديث مرفوع في الترمذي وغيره ، وقال سهل بن عبد اللّه : «طريق السنة والجماعة». وقال بكر بن عبد اللّه المزني «1» : «طريق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم».
ولا ريب أنه ما كان عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه علما وعملا وهو معرفة الحق وتقديمه ، وإيثاره على غيره. فهو الصراط المستقيم.
وكل هذه الأقوال المتقدمة دالة عليه جامعة له.
بهذا الطريق المجمل يعلم أن كل ما خالفه فباطل ، وهو من صراط الأمتين : الأمة الغضبية ، وأمة أهل الضلال.
__________
(1) هو أبو عبد اللّه بكر بن عبد اللّه المربي البصري الفقيه روي عن المغيرة بن شعبة وجماعة توفي سنة ست أو ثمان ومائة للهجرة.


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 54
فصل
و أما المفصل : فمعرفة المذاهب الباطلة ، واشتمال كلمات الفاتحة على إبطالها. فنقول :
الناس قسمان : مقر بالحق تعالى ، وجاحد له ، فتضمنت الفاتحة إثبات الخالق تعالى والرد على من جحده بإثبات ربوبيته تعالى للعالمين وتأمل حال العالم كله علويه وسفليه بجميع أجزائه تجده شاهدا بإثبات صانعه وفاطره ومليكه ، فإنكار صانعه وجحده في العقول والفطر بمنزلة إنكار العلم وجحده ، لا فرق بينهما ، بل دلالة الخالق على المخلوق ، والفعال على الفعل ، والصانع على أحوال المصنوع عند العقول الزاكية المشرقة العلوية ، والفطر الصحيحة : أظهر من العكس.
فالعارفون أرباب البصائر يستدلون باللّه على أفعاله وصنعه ، إذا استدل الناس بصنعه وأفعاله عليه ، ولا ريب أنهما طريقان صحيحان ، كل منهما حق والقرآن مشتمل عليهما.
فأما الاستدلال بالصنعة فكثير ، وأما الاستدلال بالصانع فله شأن. وهو الذي أشارت إليه الرسل بقولهم لأممهم : 14 : 10 أَفِي اللَّهِ شَكٌّ؟ أي أيشك في اللّه حتى يطلب إقامة الدليل على وجوده؟ وأي دليل أصح وأظهر من هذا المدلول؟ فكيف يستدل على الأظهر بالأخفى؟ ثم نبهوا على الدليل بقولهم فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.
وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية- قدس اللّه روحه- يقول :
كيف يطلب الدليل على من هو دليل على كل شي ء؟ وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت :
و ليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى الدليل
و معلوم أن وجود الرب تعالى أظهر للعقول والفطر من وجود النهار ،


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 55
و من لم ير ذلك في عقله وفطرته فليتهمهما.
وإذا بطل قول هؤلاء بطل قول أهل الإلحاد : القائلين بوحدة الوجود ، وأنه ما ثم وجود قديم خالق ووجود حادث مخلوق ، بل وجود هذا العالم هو عين وجود اللّه ، وهو حقيقة وجود هذا العالم ، فليس عند القوم رب وعبد ، ولا مالك ومملوك ، ولا راحم ومرحوم ، ولا عابد ومعبود ، ولا مستعين ومستعان به ، ولا هاد ولا مهدي ولا منعم ولا منعم عليه ، ولا غضبان ومغضوب عليه ، بل الرب هو نفس العبد وحقيقته ، والمالك هو عين المملوك ، والراحم هو عين المرحوم ، والعابد هو نفس المعبود. وإنما التغاير أمر اعتباري بحسب مظاهر الذات وتجلياتها. فتظهر تارة في صورة معبود ، كما ظهرت في صورة فرعون ، وفي صورة عبد ، كما ظهرت في صورة العبيد ، وفي صورة هاد ، كما في صورة الأنبياء والرسل والعلماء ، والكل من عين واحد ، بل هو العين الواحدة ، فحقيقة العابد ووجوده ، أو إنّيته هي حقيقة المعبود ووجوده وإنيته والفاتحة من أولها إلى آخرها تبين بطلان قول هؤلاء الملاحدة وضلالهم ..
فصل
و المقرّون بالرب سبحانه وتعالى : أنه صانع العالم نوعان :
نوع ينفي مباينته لخلقه ، ويقولون : لا مباين ولا محايث ، ولا داخل العالم ولا خارجه ، ولا فوقه ولا تحته ، ولا عن يمينه ولا عن يساره ، ولا خلفه ولا أمامه ، ولا فيه ولا بائن عنه.
فتضمنت الفاتحة للرد على هؤلاء من وجهين :
أحدهما : إثبات ربوبيته تعالى للعالم. فإن الربوبية المحضة تقتضي مباينة الرب للعالم بالذات ، كما باينهم بالربوبية ، وبالصفات والأفعال ، فمن


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 56
لم يثبت ربا مباينا للعالم ، فما أثبت ربا ، فإنه إذا نفى المباينة لزمه أحد أمرين ، لزوما لا انفكاك له عنه البتة : إما أن يكون هو نفس هذا العالم ، وحينئذ يصح قوله. فإن العالم لا يباين ذاته ونفسه ، ومن هاهنا دخل أهل الوحدة ، وكانوا معطلة أولا ، واتحادية ثانيا.
وإما أن يقول : ما ثم رب يكون مباينا ولا محايثا ، ولا داخلا ولا خارجا ، كما قالته الدهرية المعطلة للصانع.
وأما هذا القول الثالث المشتمل على جمع النقيضين : إثبات رب مغاير للعالم مع نفي مباينته للعالم ، وإثبات خالق قائم بنفسه ، لا في العالم ولا خارج العالم ، ولا فوق العالم ولا تحته ، ولا خلفه ولا أمامه ، ولا يمنته ولا يسرته : فقول له خبئ ، والعقول لا تتصوره حتى تصدق به. فإذا استحال في العقل تصوره. فاستحالة التصديق به أظهر وأظهر. وهو منطبق على العدم المحض ، والنفي الصّرف ، وصدقه عليه أظهر عند العقول والفطر من صدقه على رب العالمين ، فضع هذا النفي وهذه الألفاظ الدالة عليه على العدم المستحيل ، ثم ضعها على الذات العلية القائمة بنفسها ، التي لم تحل في العالم ، ولا حلّ العالم فيها ، ثم انظر أي المعلومين أولى به ، واستيقظ لنفسك ، وقم للّه قومة مفكر في نفسه في الخلوة في هذا الأمر ، متجرد عن المقالات وأربابها وعن الهوى والحمية والعصبية ، صادقا في طلب الهداية من اللّه ، فاللّه أكرم من أن يخيب عبدا هذا شأنه. وهذه المسألة لا تحتاج إلى أكثر من إثبات رب قائم بنفسه ، مباين لخلقه ، بل هذا نفس ترجمتها.
فصل
ثم المثبتون للخالق تعالى نوعان :
أهل توحيد ، وأهل إشراك. وأهل الإشراك نوعان :
أحدهما : أهل الإشراك به في ربوبيته وإلهيته ، كالمجوس ومن


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 57
ضاهاهم من القدرية ، فإنهم يثبتون مع اللّه خالقا آخر ، وإن لم يقولوا : إنه مكافئ له ، والقدرية المجوسية تثبت مع اللّه خالقين للأفعال ، ليست أفعالهم مقدورة للّه ، ولا مخلوقة لهم ، وهي صادرة بغير مشيئته ولا قدرة له عليها ، ولا هو الذي جعل أربابها فاعلين لها ، بل هم الذين جعلوا أنفسهم شائين مريدين فاعلين.
فربوبية العالم الكاملة المطلقة الشاملة تبطل أقوال هؤلاء كلهم لأنها تقتضي ربوبيته لجميع ما فيه من الذوات والصفات والحركات والأفعال.
وحقيقة قول القدرية المجوسية : أنه تعالى ليس ربا لأفعال الحيوان ، ولا تناولتها ربوبيته وكيف تتناول ما لا يدخل تحت قدرته ومشيئته وخلقه؟ مع أن في عموم حمده ما يقتضي حمده على طاعات خلقه ، إذ هو المعين عليها والموفق لها ، وهو الذي شاءها منهم ، كما قال في غير موضع من كتابه وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ فهو محمود على أن شاءها لهم ، وجعلهم فاعليها بقدرته ومشيئته ، فهو المحمود عليها في الحقيقة. وعندهم : أنهم هم المحمودون عليها ، ولهم الحمد على فعلها ، وليس للّه حمد على نفس فاعليتها عندهم ، ولا على ثوابه وجزائه عليها.
أما الأول : فلأن فاعليتها بهم لا به ، وأما الثاني : فلأن الجزاء مستحق عليه استحقاق الأجرة على المستأجر ، فهو محض حقهم ، الذي عاوضوه «1» عليه.
وفي قوله : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ رد ظاهر عليهم. إذا استعانتهم به إنما تكون عن شيء هو بيده وتحت قدرته ومشيئته ، فكيف يستعين من بيده الفعل وهو موجده ، إن شاء أوجده وإن شاء لم يوجده ، بمن ليس ذلك الفعل بيده ولا هو داخل تحت قدرته ولا مشيئته.
__________
(1) العوض واحد الأعواض تقول منه عاضه وأعاضه وعوضه تعويضا وعاوضه أعطاه العوض.


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 58
و في قوله : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ أيضا رد عليهم فإن الهداية المطلقة التامة هي المستلزمة لحصول الاهتداء. ولو لا أنها بيده تعالى دونهم لما سألوه إياها ، وهي المتضمنة للإرشاد والبيان ، والتوفيق والإقدار ، وجعلهم مهتدين. وليس مطلوبهم مجرد البيان والدلالة ، كما ظنته القدرية.
لأن هذا القدر وحده لا يوجب الهدى ، ولا ينجي من الردى ، وهو حاصل لغيرهم من الكفار ، الذين استحبوا العمى على الهدى ، واشتروا الضلالة بالهدى.
فصل
النوع الثاني : أهل الإشراك به في إلهيته ، وهم المقرون بأنه وحده رب كل شيء ، ومليكه وخالقه ، وأنه ربهم ورب آبائهم الأولين ، ورب السموات السبع ، ورب العرش العظيم ، وهم مع هذا يعبدون غيره ، ويعدلون به سواه في المحبة والطاعة والتعظيم ، وهم الذين اتخذوا من دون اللّه أندادا ، فهؤلاء لم يوفوا «إياك نعبد» حقه ، وإن كان لهم نصيب من «نعبدك». لكن ليس لهم نصيب من «إياك نعبد» المتضمن معنى : لا نعبد إلا إياك ، حبا وخوفا ورجاء وطاعة وتعظيما ، ف «إياك نعبد» تحقيق لتوحيد لهذا التوحيد ، وإبطال للشرك في الإلهية ، كما أن «إياك نستعين» تحقيق لتوحيد الربوبية ، وإبطال للشرك به فيها ، وكذلك قوله : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ فإنهم أهل التوحيد ، وهم أهل تحقيق إياك نعبد وإياك نستعين» وأهل الإشراك : هم أهل الغضب والضلال.
فصل
في تضمنها الرد على الجهمية معطلة الصفات وذلك من وجوه :
أحدهما : من قوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ فإن إثبات الحمد الكامل له يقضي


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 59
ثبوت كل ما يحمد عليه من صفات كماله ، ونعوت جلاله ، إذ من عدم صفات الكمال فليس بمحمود على الإطلاق ، وغايته : أنه محمود من وجه دون وجه ، ولا يكون محمودا بكل وجه ، وبكل اعتبار ، بجميع أنواع الحمد : إلا من استولى على صفات الكمال جميعها ، فلو عدم منها صفة واحدة لنقص من حمده بحسبها.
وكذلك في إثبات صفة الرحمة له : ما يتضمن إثبات الصفات التي تستلزمها من الحياة ، والإرادة والقدرة ، والسمع والبصر ، وغيرها.
وكذلك صفة الربوبية : تستلزم جميع صفات الفعل ، وصفة الإلهية تستلزم جميع أوصاف الكمال : ذاتا وأفعالا ، كما تقدم بيانه.
فكونه محمودا إلها ربا رحمانا رحيما ، ملكا معبودا ، مستعانا ، هاديا منعما ، يرضى ويغضب ، مع نفي قيام الصفات به : جمع بين النقيضين.
وهو من أمحل المحال.
وهذه الطريق تتضمن إثبات الصفات الخبرية من وجهين :
أحدهما : أنها من لوازم كماله المطلق فإن استواءه على عرشه من لوازم علوه ، ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا في نصف الليل الثاني : من لوازم رحمته وربوبيته. وهكذا سائر الصفات الخبرية الوجه الثاني : أن السمع ورد بها ثناء على اللّه ومدحا له ، وتعرفا منه إلى عباده بها. فجحدها وتحريفها عما دلت عليه ، وأريد بها : مناقض لما جاءت له ، فلك أن تستدل بطريق السمع على أنها كمال ، وأن تستدل بالعقل كما تقدم.
فصل
في تضمنها الرد على الجبرية. وذلك على وجوه :
أحدها : من إثبات عموم حمده سبحانه. فإنه يقتضي ألا يعاقب عبيده


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 60
على ما لا قدرة لهم عليه ، ولا هو من فعلهم ، بل هو بمنزلة ألوانهم ، وطولهم وقصرهم ، بل هو يعاقبهم على نفس فعله بهم. فهو الفاعل لقبائحهم في الحقيقة ، وهو المعاقب لهم عليها. فحمده عليها يأبى ذلك أشد الإباء ، وينفيه أعظم النفي ، فتعالى من له الحمد كله عن ذلك علوا كبيرا ، بل إنما يعاقبهم على نفس أفعالهم التي فعلوها حقيقة. فهي أفعالهم لا أفعاله. وإنما أفعاله العدل والإحسان والخيرات الوجه الثاني : إثبات رحمته ورحمانيته تنفي ذلك. إذ لا يمكن اجتماع هذين الأمرين قط : أن يكون رحمانا رحيما ، ويعاقب العبد على ما لا قدرة له عليه ، ولا هو من فعله ، بل يكلفه ما لا يطيقه ، ولا له عليه قدرة البتة ثم يعاقبه عليه ، وهل هذا إلا ضد الرحمة. ونقض لها وإبطال؟ وهل يصح في معقول أحد : اجتماع ذلك ، والرحمة التامة الكاملة في ذات واحدة؟.
الوجه الثالث : إثبات العبادة والاستعانة لهم ، ونسبتها إليهم بقولهم :
«
نعبد ونستعين» وهي نسبة حقيقية لا مجازية ، واللّه لا يصح وصفه بالعبادة والاستعانة التي هي من أفعال عبيده ، بل العبد حقيقة : هو العابد المستعين. واللّه المعبود المستعان به.
فصل
في بيان تضمنها للرد على القائلين بالموجب بالذات دون الاختيار والمشيئة. وبيان أنه سبحانه فاعل مختار.
وذلك من وجوه :
أحدها : من إثبات حمده ، إذ كيف يحمده على ما ليس مختارا لوجوده ، ولا هو بمشيئته وفعله؟ وهل يصح حمد الماء على آثاره وموجباته؟


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 61
أو النار والحديد وغيرها في عقل أو فطرة؟ وإنما يحمد الفاعل المختار بقدرته ومشيئته على أفعاله الحميدة ، هذا الذي ليس في العقول والفطر سواه.
فخلافه خارج عن الفطرة والعقل ، وهو لا ينكر خروجه عن الشرائع والنبوات بل يتبجح بذلك ، ويعده فخرا.
الثاني : إثبات ربوبيته تعالى : يقتضي فعله بمشيئته واختياره وتدبيره وقدرته ، وليس يصح في عقل ولا فطرة ربوبية الشمس لضوئها ، والماء لتبريده ، والنبات الحاصل به ، ولا ربوبية شيء أبدا لما لا قدرة له عليه البتة ، وهل هذا إلا تصريح بجحد الربوبية؟.
فالقوم كنوا للأغمار ، وصرحوا لأولي الأفهام.
الثالث : إثبات ملكه. وحصول ملك لمن اختار له ، ولا فعل ولا مشيئة غير معقول ، بل كل مملوك له مشيئة واختيار وفعل أتم من هذا الملك وأكمل : 16 : 17 أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ.
الرابع : من كونه مستعانا ، فإن الاستعانة بمن لا اختيار له ولا مشيئة ولا قدرة محال.
الخامس : من كونه مسئولا أن يهدي عباده ، فسؤال من لا اختيار له محال. وكذلك من كونه منعما
فصل
في بيان تضمنها للرد على منكري تعلق علمه تعالى بالجزئيات وذلك من وجوه :
أحدها : كمال حمده ، وكيف يستحق الحمد من لا يعلم شيئا من العالم وأحواله وتفاصيله ، ولا عدد الأفلاك ، ولا عدد النجوم ، ولا من يطيعه ممن يعصيه ، ولا من يدعوه ممن لا يدعوه.


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 62
الثاني : أن هذا مستحيل أن يكون إلها ، وأن يكون ربا ، فلا بد للإله المعبود والرب المدبر أن يعلم عابده ، ويعلم حاله.
الثالث : من إثبات رحمته. فإنه يستحيل أن يرحم من لا يعلم.
الرابع : إثبات ملكه. فإن ملكا لا يعرف أحدا من رعيته البتة. ولا شيئا من أحوال مملكته البتة. ليس بملك بوجه من الوجوه.
الخامس : كونه مستعانا.
السادس : كونه مسئولا أن يهدي سائله ويجيبه.
السابع : كونه هاديا.
الثامن كونه منعما.
التاسع كونه غضبانا على من خالفه.
العاشر : كونه مجازيا ، يدين الناس بأعمالهم يوم الدين ، فنفي علمه بالجزئيات مبطل لذلك كله.
فصل
في بيان تضمنها للرد على منكري النبوات. وذلك من وجوه :
أحدها : إثبات حمده التام. فإنه يقتضي كمال حكمته وأن لا يخلق خلقه عبثا ، ولا يتركهم سدى لا يؤمرون ولا ينهون ، ولذلك نزّه نفسه عن هذا في غير موضع من كتابه. وأخبر أن من أنكر الرسالة والنبوة ، وأن يكون ما أنزل على بشر من شيء فإنه ما عرفه حق معرفته ، ولا عظمه حق عظمته ، ولا قدره حق قدره ، بل نسبه إلى ما لا يليق به ، ويأباه حمده ومجده.
فمن أعطى الحمد حقه علما ومعرفة وبصيرة استنبط منه «أشهد أن محمدا رسول اللّه» كما يستنبط منه «أشهد ألا إله إلا اللّه» وعلم قطعا أن


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 63
تعطيل النبوات في منافاته للحمد كتعطيل صفات الكمال ، وكإثبات الشركاء والأنداد.
الثاني : إلهيته ، وكونه إلها. فإن ذلك مستلزم لكونه معبودا مطاعا ولا سبيل إلى معرفة ما يعبد به ويطاع إلا من جهة رسله.
الثالث : كونه ربا. فإن الربوبية تقتضي أمر العباد ونهيهم.
وجزاء محسنهم بإحسانه ، ومسيئهم بإساءته. هذا حقيقة الربوبية. وذلك لا يتم إلا بالرسالة والنبوة.
الرابع : كونه رحمانا رحيما. فإن كمال رحمته : أن يعرف عباده نفسه وصفاته ويدلهم على ما يقربهم إليه ، ويباعدهم منه ، ويثيبهم على طاعته ، ويجزيهم بالحسنى ، وذلك لا يتم إلا بالرسالة والنبوة. فكنت رحمته مقتضية لها.
الخامس : ملكه. فإن الملك يقتضي التصرف بالقول ، كما أن الملك يقضي التصرف بالفعل ، فالملك هو المتصرف بأمره وقوله ، فتنفذ أوامره ومراسيمه حيث شاء والمالك هو المتصرف في ملكه بفعله ، واللّه له الملك وله الملك ، فهو المتصرف في خلقه بالقول والفعل.
وتصرفه بقوله نوعان : تصرف بكلماته الكونية ، وتصرف بكلماته الدينية ، وكمال الملك بهما ، فإرسال الرسل : موجب كمال ملكه وسلطانه ، وهذا هو الملك المعقول في فطر الناس وعقولهم. فكل ملك لا تكون له رسل يبثها في أقطار مملكته فليس بملك. وبهذه الطريق يعلم وجود ملائكته ، وأن الإيمان بهم من لوازم الإيمان بملكه. فإنهم رسل اللّه في خلقه وأمره.
السادس : ثبوت يوم الدين. وهو يوم الجزاء ، الذي يدين اللّه فيه العباد بأعمالهم خيرا وشرا ، وهذا لا يكون إلا بعد ثبوت الرسالة والنبوة ،


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 64
و قيام الحجة التي بسببها يدان المطيع والعاصي.
السابع : كونه معبودا. فإنه لا يعبد إلّا بما يحبه ويرضاه ، ولا سبيل للخلق إلى معرفة ما يحبه ويرضاه إلا من جهة رسله. فإنكار رسله إنكار لكونه معبودا.
الثامن : كونه هاديا إلى الصراط المستقيم. وهو معرفة الحق والعمل به ، وهو أقرب الطرق الموصلة إلى المطلوب. فإن الخط المستقيم : هو أقرب خط موصل بين نقطتين ، وذلك لا يعلم إلا من جهة الرسل. فتوقفه على الرسل ضروري ، أعظم من توقف الطريق الحسي على سلامة الحواس.
التاسع : كونه منعما على أهل الهداية إلى الصراط المستقيم. فإن إنعامه عليهم إنما تم بإرسال الرسل إليهم ، وجعلهم قابلين الرسالة مستجيبين لدعوته ، وبذلك ذكرهم منته عليهم وإنعامه في كتابه.
العاشر : انقسام خلقه إلى منعم عليهم ، ومغضوب عليهم ، وضالين ، فإن هذا الانقسام ضروري بحسب انقسامهم في معرفة الحق ، والعمل به :
إلى عالم به عامل بموجبه ، وهم أهل النعمة ، وعالم به معاند له ، وهم أهل الغضب. وجاهل به ، وهم الضالون. وهذا الانقسام إنما نشأ بعد إرسال الرسل. فلولا الرسل لكانوا أمة واحدة. فانقسامهم إلى هذه الأقسام مستحيل بدون الرسالة. وهذا الانقسام ضروري بحسب الواقع. فالرسالة ضرورية.
وقد تبين لك بهذه الطريق ، والتي قبلها : بيان تضمنها للرد على من أنكر المعاد الجسماني ، وقيامة الأبدان ، وعرفت اقتضاءها ضرورة ثبوت الثواب والعقاب والأمر والنهى. وهو الحق الذي خلقت به وله السموات والأرض والدنيا والآخرة ، وهو مقتضى الخلق والأمر ، ونفيه نفي لهما.


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 65
فصل
إذا ثبتت النبوات والرسالة ثبتت صفة التكلم والتكليم.
فإن حقيقة الرسالة : تبليغ كلام المرسل ، فإذا لم يكن ثمّ كلام فماذا يبلغ الرسل؟ بل كيف يعقل كونه رسولا؟ ولهذا قال غير واحد من السلف :
من أنكر أن يكون اللّه متكلما ، أو يكون القرآن كلامه. فقد أنكر رسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، بل ورسالة جميع الرسل ، التي حقيقتها ، تبليغ كلام اللّه تبارك وتعالى. ولهذا قال منكرو رسالته صلّى اللّه عليه وسلّم عن القرآن : 74 : 24 ، 25 إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ، إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ وإنما عنوا القرآن المسموع الذي بلغوه وأنذروا به.
فمن قال : إن اللّه لم يتكلم به فقد ضاهأ قوله قولهم. تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
فصل
في بيان تضمنها للرد على من قال بقدم العالم وذلك من وجوه :
أحدها : إثبات حمده. فإنه يقتضي ثبوت أفعاله ، لا سيما وعامة مواد الحمد في القرآن ، أو كلها ، إنما هي على الأفعال ، وكذلك هو هاهنا. فإنه حمد نفسه على ربوبيته المتضمنة لأفعاله الاختيارية ، ومن المستحيل : مقارنة الفعل لفاعله. هذا ممتنع في كل عقل سليم ، وفطرة مستقيمة. فالفعل متأخر عن فاعله بالضرورة.
وأيضا فإنه متعلق الإرادة والتأثير والقدرة ، ولا يكون متعلقها قديما البتة.
الثاني : إثبات ربوبيته للعالمين. وتقريره : ما ذكرناه ، والعالم كل ما


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 66
سواه فثبت أن كل ما سواه مربوب ، والمربوب مخلوق بالضرورة ، وكل مخلوق حادث بعد أن لم يكن ، فإذا ربوبيته تعالى لكل ما سواه تستلزم تقدمه عليه وحدوث المربوب ، ولا يتصور أن يكون العالم قديما ، وهو مربوب أبدا ، فإن القديم مستغن بأزليته عن فاعل له ، وكل مربوب فهو فقير بالذات ، فلا شيء من المربوب بغني ولا قديم.
الثالث : إثبات توحيده ، فإنه يقتضي عدم مشاركة شيء من العالم له في خصائص الربوبية ، والقدر من خصائص الربوبية ، فالتوحيد ينفي ثبوته لغيره ضرورة ، كما ينفي ثبوت الربوبية والإلهية لغيره.
فصل
في بيان تضمنها للرد على الرافضة وذلك من قوله : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ إلى آخرها.
ووجه تضمنه إبطال قولهم : أنه سبحانه قسم الناس إلى ثلاثة أقسام :
منعم عليهم ، وهم أهل الصراط المستقيم ، الذين عرفوا الحق واتبعوه.
ومغضوب عليهم وهم الذين عرفوا الحق ورفضوه. وضالون ، وهم الذين جهلوه فأخطأوه.
فكل من كان أعرف للحق ، وأتبع له كان أولى بالصراط المستقيم.
ولا ريب أن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ورضي اللّه عنهم : هم أولى بهذه الصفة من الرافض. فإنه من المحال أن يكون أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ورضي اللّه عنهم جهلوا الحق وعرفه الروافض ، أو رفضوه وتمسك به الروافض.
ثم إنا رأينا آثار الفريقين تدل على أهل الحق منهما ، فرأينا أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فتحوا بلاد الكفر ، وقلبوها بلاد إسلام ، وفتحوا القلوب بالقرآن والعلم والهدى. فآثارهم تدل على أنهم هم أهل الصراط المستقيم. ورأينا


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 67
الرافضة بالعكس في كل زمان ومكان ، فإنه قطّ ما قام للمسلمين عدو من غيرهم إلا كانوا أعوانهم على الإسلام ، وكم جرّوا على الإسلام وأهله من بلية؟ وهل عاثت سيوف المشركين عبّاد الأصنام من عسكر هولاكو وذويه من التتار إلا من تحت رؤوسهم؟ وهل عطلت المساجد ، وحرقت المصاحف ، وقتل سروات المسلمين وعلماؤهم وعبادهم وخليفتهم إلا بسببهم ومن جرّائهم؟ ومظاهرتهم للمشركين والنصارى معلومة عند الخاصة والعامة ، وآثارهم في الدين معلومة.
فأي الفريقين أحق بالصراط المستقيم؟ وأيهم أحق بالغضب والضلال ، إن كنتم تعلمون؟ ولهذا فسر السلف الصراط المستقيم وأهله :
بأبي بكر وعمر وأصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ورضي اللّه عنهم ، وهو كما فسروه.
فإنه صراطهم الذي كانوا عليه ، وهو عين صراط نبيهم. وهم الذين أنعم اللّه عليهم ، وغضب على أعدائهم ، وحكم لهم بالضلال ، وقال أبو العالية «1»- رفيع الرياحي- والحسن البصري «2» ، وهما من أجل التابعين : الصراط المستقيم : رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وصاحباه ، وقال أبو العالية أيضا في قوله
__________
(1) هو أبو العالية رفيع بن مهران الرباحي مولاهم البصري المقرئ المفسر دخل على أبي بكر وقراء القرآن على أبي ، وكان ابن عباس يرفعه على السرير وقريش أسفل ، وقال أبو بكر بن أبي داود : ليس بعد الصحابة أحد أعلم بالقرآن من أبي العالية وبعده سعيد بن جبير ، قال ابن قتيبة حج أبو العالية ستين حجة ، وقال الأصمعي : كان أبو العالية ومكحول- يعني مكحول الأزدي- جميلين وكان مزاحا. توفي سنة ثلاث وتسعين وقيل سنة تسعين. (انظر شذرات الذهب).
(2) هو أبو سعيد الحسن بن أبي حسن البصري ، إمام أهل البصرة وخير أهل زمانه ، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر وسمع خطبته عثمان وشهد يوم الدار ، أبوه مولى زيد بن ثابت وأمه مولاة أم سلمة. كان جميلا فصيحا ، قال أبو عمرو بن العلاء : ما رأيت أفصح من الحسن والحجاج قال ابن سعد في طبقاته : كان جامعا عالم رفيعا فقيها حجة مأمونا عابدا نساكا كثير العلم فصيحا جميلا وسيما. توفي سنة عشر ومائة. (انظر شذرات الذهب).


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 68
«صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» هم آل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأبو بكر وعمر ، وهذا حق :
فإن آله وأبا بكر وعمر على طريق واحدة. ولا خلاف بينهم ، وموالاة بعضهم بعضا ، وثناؤهم عليهما ، ومحاربة من حاربا ومسالمة من سالما ، معلومة عند الأمة. خاصها وعامها.
وقال زيد بن أسلم «1» : الذين أنعم اللّه عليهم هم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأبو بكر وعمر. ولا ريب أن المنعم عليهم : هم أتباعه ، والمغضوب عليهم :
هم الخارجون عن أتباعه ، وأتبع الأمة لهم وأطوعهم : أصحابه وأهل بيته.
وأتباع الصحابة له : السمع والبصر ، أبو بكر وعمر ، وأشد الأمة مخالفة لهما هم الرافضة ، فخلافهم لهما معلوم عند جميع فرق الأمة ، ولهذا يبغضون السنة وأهلها ، ويعادونها ويعادون أهلها ، فهم أعداء سنته صلّى اللّه عليه وسلّم وأهل بيته.
وأتباعه من بنيهم أكمل ميراث؟ بل هم ورثته حقا.
فقد تبين أن الصراط المستقيم طريق أصحابه وأتباعه ، وطريق أهل الغضب والضلال : طريق الرافضة. وبهذه الطريق بعينها يرد على الخوارج.
فإن معاداتهم الصحابة معروفة.
فصل
و سر الخلق الأمر والكتب والشرائع والثواب والعقاب : انتهى إلى هاتين الكلمتين ، وعليهما مدار العبودية والتوحيد. حتى قيل : أنزل اللّه مائة كتاب
__________
(1) هو زيد بن أسلم العدوي مولاهم الفقيه العابد لقي ابن عمر وجماعة وكانت له حلقة للفتوى والعلم. بالمدينة قال أبو حازم الأعرج : لقد رأيتنا في حلقة زيد بن أسلم أربعين فقيها أدنى خصلة بيننا التواسي بما في أيدينا ، ونقل البخاري أن زين العابدين بن علي بن علي بن الحسين كان يجلس إلى زيد بن أسلم ، قال ابن ناصر الدين : زيد بن أسلم القريش العدوي العمري مولاهم المدني أبو عبد اللّه ، وقيل أبو اسامة الإمام الفقيه ، روي عن ابن عمر وسلمة بن الأكوع وانس وأحزابهم وله تفسير القرآن يوريه عنه ابنه عبد اللّه (انظر شذرات الذهب).


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 69
و أربعة كتب : جمع معانيها في التوراة والإنجيل والقرآن ، وجمع معاني هذه الكتب الثلاثة في القرآن. وجمع معاني القرآن في المفصل ، وجمع معاني المفصل في الفاتحة ، ومعاني الفاتحة في «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ».
وهما الكلمتان المقسومتان بين الرب وبين عبده نصفين : فنصفها له تعالى وهو «إياك نعبد» ونصفهما لعبده وهو «إياك نستعين» وسيأتي سر هذا ومعناه إن شاء اللّه في موضعه.
والعبادة تجمع أصلين : غاية الحب بغاية الذل والخضوع. والعرب تقول : طريق معبد أي مذلّل ، والتعبد : التذلل والخضوع ، فمن أحببته ولم تكن خاضعا له ، لم تكن عابدا له ، ومن خضعت له بلا محبة ، لم تكن عابدا له ، حتى تكون محبا خاضعا ، ومن هاهنا كان المنكرون محبة العباد لربهم منكرين حقيقة العبودية ، والمنكرون لكونه محبوبا لهم ، بل هو غاية مطلوبهم ووجهه الأعلى نهاية بغيتهم : منكرين لكونه إلها ، وإن أقروا بكونه ربا للعالمين وخالقا لهم ، فهذا غاية توحيدهم. وهو توحيد الربوبية ، الذي اعترف به مشركو العرب ، ولم يخرجوا به من الشرك ، كما قال تعالى :
43 : 87 وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ؟ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ وقال تعالى :
39 : 38 وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ 23 :
84- 89 قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها؟. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ولهذا يحتج عليهم به على توحيد إلهيته ، وأنه لا ينبغي أن يعبد غيره ، كما أنه لا خالق غيره ولا رب سواه.
والاستعانة : تجمع أصلين : الثقة باللّه ، والاعتماد عليه ، فإن العبد قد يثق بالواحد من الناس ، ولا يعتمد عليه في أموره ، مع ثقته به ، لاستغنائه عنه. وقد يعتمد عليه ، مع ثقته به لحاجته إليه ، ولعدم من يقوم مقامه.
فيحتاج إلى اعتماده عليه. مع أنه غير واثق به.
والتوكل معنى يلتئم من أصلين : من الثقة ، والاعتماد ، وهو حقيقة


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 70
«إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» وهذان الأصلان- وهما التوكل والعبادة- قد ذكر في القرآن في عدة مواضع ، قرن بينهما فيها ، هذا أحدها.
الثاني : [قوله تعالى في حكاية عن شعيب ] «1» : 11 : 88 وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ.
الثالث : قوله تعالى : 11 : 123 : وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ، فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ.
الرابع : قوله تعالى حكاية عن المؤمنين 60 : 4 رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.
الخامس : قوله تعالى : 73 : 8 و9 وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ، رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا.
السادس : قوله تعالى : 3 : 13 قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ.
فهذه ستة مواضع يجمع فيها بين الأصلين وهما «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ».
وتقديم العبادة على الاستعانة في الفاتحة من باب تقديم الغايات على الوسائل إذ العبادة غاية العباد التي خلقوا لها ، والاستعانة وسيلة إليها ، ولأن «إياك نعبد» متعلق بألوهيته واسمه «اللّه» و«إياك نستعين» متعلق بربوبيته واسمه الرب. فقدم «إياك نعبد» على «إياك نستعين» كما تقدم اسم اللّه على الرب في أول السورة ، ولأن «إياك نعبد» قسم الرب. فكان من الشطر الأول الذي هو ثناء على اللّه تعالى ، لكونه أولى به ، و«إياك نستعين» قسم العبد ، فكان مع الشطر الذي له ، وهو «اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ» إلى آخر السورة.
__________


عدل سابقا من قبل Admin في الأحد فبراير 26, 2012 8:16 pm عدل 1 مرات

description سلسلة تفسيرُ القرآن لابْن القيّم!؟ من كتاب تفسير ابْن القيّم الجوزية لبَعْض آيات القرآن! Emptyرد: سلسلة تفسيرُ القرآن لابْن القيّم!؟ من كتاب تفسير ابْن القيّم الجوزية لبَعْض آيات القرآن!

more_horiz
(1) وردت في المطبوع : قول شعيب.

تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 71
و لأن العبادة المطلقة : تتضمن الاستعانة ، من غير عكس. فكل عابد للّه عبودية تامة : مستعين به ، ولا ينعكس ، لأن صاحب الأغراض والشهوات قد يستعين به على شهواته. فكانت العبادة أكمل وأتم. ولهذا كانت قسم الرب ، ولأن الاستعانة جزء من العبادة ، من غير عكس ، ولأن الاستعانة طلب منه ، والعبادة طلب له ، ولأن العبادة لا تكون إلا من مخلص ، والاستعانة تكون من مخلص ومن غير مخلص ، ولأن العبادة حقه الذي أوجبه عليك ، والاستعانة طلب العون على العبادة. وهو بيان صدقته التي تصدق بها عليك ، وأداء حقه : أهم من التعرض لصدقته. ولأن العبادة شكر نعمته عليك ، واللّه يجب أن يشكر ، والإعانة فعله بك وتوفيقه لك. فإذا التزمت عبوديته ، ودخلت تحت رقّها أعانك عليها ، فكان التزامها والدخول تحت رقها سببا لنيل الإعانة. وكلما كان العبد أتم عبودية كانت الإعانة من اللّه له أعظم.
والعبودية محفوفة بإعانتين : إعانة قبلها على التزامها والقيام بها ، وإعانة بعدها على عبودية أخرى ، وهكذا أبدا ، حتى يقضي العبد نحبه ، ولأن «إياك نعبد» له. و«إياك نستعين» به ، وما له مقدم على ما به. لأن ما له متعلق بمحبته ورضاه. وما به متعلق بمشيئته ، وما تعلق بمحبته أكمل مما تتعلق بمشيئته ، فإن الكون كله متعلق بمشيئته. والملائكة والشياطين والمؤمنون والكفار ، والطاعات والمعاصي. والمتعلق بمحبته : طاعاتهم وإيمانهم. فالكفار أهل مشيئة ، والمؤمنون أهل محبته. ولهذا لا يستقر في النار شيء للّه أبدا. وكل ما فيها فإنه به تعالى وبمشيئته.
فهذه الأسرار يتبين بها حكمة تقديم «إياك نعبد» على «إياك نستعين».
وأما تقديم المعبود والمستعان على الفعلين ففيه : أدبهم مع اللّه بتقديم اسمه على فعلهم وفيه الاهتمام وشدة العناية به ، وفيه الإيذان بالاختصاص المسمى بالحصر. فهو في قوة : لا نعبد إلا إياك ، ولا نستعين إلا بك ،


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 72
و الحاكم في ذلك ذوق العربية والفقه فيها ، واستقراء موارد استعمال ذلك مقدما ، وسيبويه نص على الاهتمام ، ولم ينف غيره. ولأنه يقبح من القائل : أن يعتق عشرة أعبد مثلا ، ثم يقول لأحدهم : إياك أعتقت ، ومن سمعه أنكر ذلك عليه ، وقال : وغيره أيضا أعتقت. ولو لا فهم الاختصاص لما قبح هذا الكلام ، ولا حسن إنكاره.
وتأمل قوله تعالى : 2 : 40 إِيَّايَ فَارْهَبُونِ 2 : 41 وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ كيف تجده في قوة : لا ترهبوا غيري ، ولا تتقوا سواي؟ وكذلك «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» هو في قوة : لا نعبد غيرك ولا نستعين بسواك ، وكل ذي ذوق سليم يفهم هذا الاختصاص من هذا السياق ، ولا عبرة بجدل من قلّ فهمه ، وفتح عليه باب الشك والتشكيك ، فهؤلاء هم آفة العلوم ، وبلية الأذهان والفهوم ، مع أن في ضمير «إياك» من الإشارة إلى نفس الذات والحقيقة ما ليس في الضمير المتصل ، ففي «إياك قصدت ، وأحببت» من الدلالة على معنى حقيقتك وذاتك قصدي ما ليس في قولك : قصدتك وأحببتك. وإياك أعني : فيه معنى نفسك وذاتك وحقيقتك أعني.
ومن هاهنا قال من قال من النحاة : إن «إيّا» اسم ظاهر ، مضاف إلى الضمير المتصل ، ولم يردّ بردّ شاف.
ولو لا أنّا في شأن وراء هذا لأشبعنا الكلام في هذه المسألة ، وذكرنا مذاهب النحاة فيها ، ونصرنا الراجح ، ولعل أن نعطف على ذلك بعون اللّه.
وفي إعادة «إياك» مرة أخرى دلالة على تعلق هذه الأمور بكل واحد من الفعلين ، ففي إعادة الضمير من قوة الاقتضاء لذلك ما ليس في حذفه ، فإذا قلت لملك مثلا : إياك أحب ، وإياك أخاف. كان فيه من اختصاص الحب والخوف بذاته ، والاهتمام بذكره ما ليس في قولك : إياك أحب وأخاف.


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 73
فصل
إذا عرف هذا : فالناس في هذين الأصلين وهما العبادة والاستعانة أربعة أقسام.
أجلها وأفضلها : أهل العبادة والاستعانة باللّه عليها ، فعبادة اللّه غاية مرادهم وطلبهم منه أن يعينهم عليها ويوفقهم للقيام بها ، ولهذا كان من أفضل ما يسأل الربّ تبارك وتعالى الإعانة على مرضاته ، وهو الذي علمه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لحبّه معاذ بن جبل «1».
فقال «يا معاذ ، واللّه إني لأحبك ، فلا تنس أن تقول في دبر كل صلاة : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» «2».
فأنفع الدعاء طلب العون على مرضاته ، وأفضل المواهب : إسعافه بهذا المطلوب وجميع الأدعية المأثورة مدارها على هذا ، وعلى دفع ما يضاده ، وعلى تكميله وتيسير أسبابه. فتأملها.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس اللّه روحه : تأملت أنفع الدعاء :
فإذا هو سؤال العون على مرضاته ، ثم رأيته في الفاتحة في «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ».
ومقابل هؤلاء : القسم الثاني : وهم المعرضون عن عبادته والاستعانة به فلا عبادة ولا استعانة بل إن سأله أحدهم واستعان به فعلى حظوظه وشهواته ، لا على مرضاة ربه وحقوقه ، فإنه سبحانه يسأله من في السموات والأرض : يسأله أولياؤه وأعداؤه ويمدّ هؤلاء وهؤلاء ، وأبغض خلقه : عدوه إبليس ومع هذا فسأله حاجة فأعطاه إياها ، ومتعه بها ، ولكن لما لم تكن عونا
__________
(1) هو سلطان العلماء وأعلم الأمة بالحلال والحرام معاذ بن جبل ،
ورد أن العلماء تأتي تحت رايته يوم القيامة
، و
قال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : «إني أحبك يا معاذ»
و كان من فضلاء الصحابة وفقهائهم ، وهو الذي بني مسجد الجند بالمين وقيل بني بعده ، استشهد في طاعون عمداس سنة ثماني عشرة عن ست أو ثمان وثلاثين سنة. (انظر شذرات الذهب).
(2) أخرجه الحاكم في المستدرك 1/ 273 و3/ 273. [.....]


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 74
له على مرضاته : كانت زيادة له في شقوته ، وبعده عن اللّه وطرده عنه ، وهكذا كل من استعان به على أمر وسأله إياه ، ولم يكن عونا على طاعته ، كان مبعدا له عن مرضاته ، قاطعا له عنه ولا بد.
وليتأمل العاقل هذا في نفسه وفي غيره ، وليعلم أن إجابة اللّه لسائليه ليست لكرامة كل سائل عليه ، بل يسأله عبده الحاجة فيقضيها له ، وفيها هلاكه وشقوته ، ويكون قضاؤها له من هوانه عليه وسقوطه من عينه ، ويكون منعه منها لكرامته عليه ومحبته له ، فيمنعه حماية وصيانة وحفظا لا بخلا ، وهذا إنما يفعله بعبده الذي يريد كرامته ومحبته ، ويعامله بلطفه : فيظن بجهله أن اللّه لا يحبه ولا يكرمه ، ويراه يقضي حوائج غيره ، فيسيء ظنه بربه ، وهذا حشو قلبه ولا يشعر به ، والمعصوم من عصمه اللّه ، والإنسان على نفسه بصيرة ، وعلامة هذا : حمله على الأقدار. وعتابه الباطن لها.
كما قيل :
و عاجز الرأي مضياع لفرصته حتى إذا فات أمر عاتب القدرا
فو اللّه لو كشف عن حاصله وسره لرأى هناك معاتبة القدر واتهامه ، وأنه قد كان ينبغي أن يكون كذا وكذا ، ولكن ما حيلتي؟ والأمر ليس إليّ ، والعاقل خصم نفسه والجاهل خصم أقدار ربه ، فاحذر كل الحذر أن تسأله شيئا معينا خيرته وعاقبته مغيبة عنك ، وإذا لم تجد من سؤاله بدا ، فعلقه على شرط علمه تعالى فيه الخيرة ، وقدم بين يدي سؤالك الاستخارة ، ولا تكن استخارة باللسان بلا معرفة بل استخارة من لا علم له بمصالحه ولا قدرة له عليها ، ولا اهتداء له إلى تفاصيلها. ولا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ، بل إن وكل إلى نفسه هلك كل الهلاك ، وانفرط عليه أمره. وإذا أعطاك ما أعطاك بلا سؤال : تسأله أن يجعله عونا على طاعته وبلاغا إلى مرضاته ، ولا يجعله قاطعا لك عنه ، ولا مبعدا عن مرضاته. ولا تظن أن عطاءه كلّ ما أعطى لكرامة عبده عليه ولا منعه كل ما يمنعه لهوان عبده عليه ، ولكن عطاءه


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 75
و منعه ابتلاء وامتحان ، يمتحن بهما عباده. قال اللّه تعالى : 89 : 25 و16 فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ ، فَيَقُولُ : رَبِّي أَكْرَمَنِ. وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ ، كَلَّا أي ليس كل من أعطيته ونعمته وخولته : فقد أكرمته ، وما ذاك لكرامته عليّ ولكنه ابتلاء مني وامتحان له : أيشكرني فأعطيه فوق ذلك ، أم يكفرني فأسلبه إياه ، وأخول فيه غيره؟
و ليس كل من ابتليته فضيقت عليه رزقه ، وجعلته بقدر لا يفضل عنه فذلك من هوانه عليّ ، ولكنه ابتلاء وامتحان مني له : أيصبر؟ فأعطيه أضعاف أضعاف ما فاته من سعة الرزق ، أم يتسخط؟ فيكون حظه السخط.
فرد اللّه سبحانه على من ظن أن سعة الرزق إكرام ، وأن الفقر إهانة ، فقال : لم أبتل عبدي بالغنى لكرامته عليّ ، ولم أبتله بالفقر لهوانه عليّ.
فأخبر أن الإكرام والإهانة لا يدوران على المال وسعة الرزق وتقديره ، فإنه يوسع على الكافر لا لكرامته ، ويقتّر على المؤمن لا لإهانته ، إنما يكرم من يكرمه بمعرفته ومحبته وطاعته ، ويهين من يهينه بالإعراض عنه ومعصيته. فله الحمد على هذا وعلى هذا ، وهو الغني الحميد.
فعادت سعادة الدنيا والآخرة إلى «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ».
فصل
القسم الثالث : من له نوع عبادة بلا استعانة. وهؤلاء نوعان.
أحدها : القدرية القائلون بأنه قد فعل بالعبد جميع مقدوره من الألطاف ، وأنه لم يبق في مقدوره إعانة له على الفعل. فإنه قد أعانه بخلق الآلات وسلامتها وتعريف الطريق وإرسال الرسل ، وتمكينه من الفعل. فلم يبق بعد هذا إعانة مقدورة يسأله إياها ، بل قد ساوى بين أوليائه وأعدائه في الإعانة : فأعان هؤلاء كما أعان هؤلاء ، ولكن أولياءه اختاروا لنفوسهم الإيمان ، وأعداءه اختاروا لنفوسهم الكفر ، من غير أن يكون اللّه سبحانه وفق


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 76
هؤلاء لا بتوفيق زائد ، أوجب لهم الإيمان ، وخذل هؤلاء بأمر آخر ، أوجب لهم الكفر ، فعباد هؤلاء لهم نصيب منقوص من العبادة ، لا استعانة معه :
فهم موكولون إلى أنفسهم مسدود عليهم طريق الاستعانة والتوحيد. قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : الإيمان بالقدر نظام التوحيد ، فمن آمن باللّه وكذب بقدره نقض تكذيبه توحيده.
النوع الثاني : من لهم عبادات وأوراد ولكن حظهم ناقص من التوكل والاستعانة ، لم تتسع قلوبهم لارتباط الأسباب بالقدر ، وتلاشيها في ضمنه ، وقيامها به ، وأنها بدون القدر كالموات الذي لا تأثير له ، بل كالعدم الذي لا وجود له ، وأن القدر كالروح المحرك لها ، والمعول على المحرك الأول.
فلم تنفذ قوى بصائرهم من المتحرك إلى المحرك ، ومن السبب إلى المسبب ، ومن الآلة إلى الفاعل. فضعفت عزائمهم وقصرت هممهم ، فقل نصيبهم من «إياك نستعين» ولم يجدوا ذوق التعبد بالتوكل والاستعانة ، وإن وجدوا ذوقه بالأوراد والوظائف فهؤلاء لهم نصيب من التوفيق والنفوذ والتأثير ، بحسب استعانتهم وتوكلهم. ولو توكل العبد على اللّه حق توكله في إزالة جبل عن مكانه ، وكان مأمورا بإزالته ، لأزاله.
فإن قلت : فما معنى التوكل والاستعانة؟.
قلت : هو حال للقلب ينشأ عن معرفته باللّه ، وتفرده بالخلق والتدبير والضر والنفع ، والعطاء والمنع ، وأنه ما شاء كان وإن لم يشأ الناس ، وما لم يشأ لم يكن ، وإن شاءه الناس ، فيوجب له هذا اعتمادا عليه وتفويضا إليه وطمأنينة به وثقة به ويقينا بكفايته لما توكل عليه فيه ، وأنه مليّ به ، ولا يكون إلا بمشيئته ، شاءه الناس أم أبوه ، فتشبه حالته حالة الطفل مع أبويه فيما ينوبه من رغبة ورهبة هما مليّان بهما. فانظر في تجرد قلبه عن الالتفات إلى غير أبويه ، وحبس همّه على إنزال ما ينويه بهما. فهذه حال المتوكل ، ومن كان هكذا مع اللّه ، فاللّه كافيه ولا بد. قال اللّه تعالى : 65 : 3 وَمَنْ يَتَوَكَّلْ


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 77
عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
أي كافيه. والحسب : الكافي. فإن كان مع هذا من أهل التقوى كانت له العاقبة الحميدة ، وإن لم يكن من أهل التقوى فهو :
القسم الرابع : وهو من شهد تفرد اللّه بالنفع والضرر ، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، ولم يدر مع ما يحبه ويرضاه ، فتوكل عليه ، واستعان به على حظوظه وشهواته وأغراضه ، وطلبها منه ، وأنزلها به فقضيت له ، وأسعف بها ، ولكن لا عاقبة له ، سواء كانت أموالا أو رئاسة أو جاها عند الخلق أو أحوالا ، من كشف وتأثير وقوة وتمكين. فإنها من جنس الملك الظاهر ، والأموال لا تستلزم الإسلام ، فضلا عن الولاية والقرب من اللّه. فإن الملك والجاه والمال والحال معطاة للبر والفاجر ، والمؤمن والكافر. فمن استدل بشيء من ذلك على محبة اللّه لمن آتاه إياه ورضاه عنه ، وأنه من أوليائه المقربين. فهو من أجهل الجاهلين ، وأبعدهم معرفة باللّه ودينه ، والتمييز بين ما يحبه ويرضاه ويكرهه ويسخطه ، فالحال من الدنيا. فهو كالملك والمال ، إن أعان صاحبه على طاعة اللّه ومرضاته ، وتنفيذ أوامره ، ألحقه بالملوك العادلين البررة ، وإلا فهو وبال على صاحبه ومبعد له عن اللّه ، وملحق له بالملوك الظلمة ، والأغنياء الفجرة.
فصل
إذا عرف هذا : فلا يكون العبد متحققا بإياك نعبد إلا بأصلين عظيمين.
أحدهما : متابعة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم.
والثاني : الإخلاص للمعبود. فهذا تحقيق «إياك نعبد».
والناس منقسمون بحسب هذين الأصلين أيضا إلى أربعة أقسام :
أحدها : أهل الإخلاص للمعبود والمتابعة. وهم أهل «إياك نعبد» حقيقة ، فأعمالهم كلها للّه وأقوالهم للّه ، وعطاؤهم للّه ، ومنعهم للّه ، وحبهم


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 78
للّه ، وبغضهم للّه. فمعاملتهم ظاهرا وباطنا لوجه اللّه وحده. لا يريدون بذلك من الناس جزاء ولا شكورا ، ولا ابتغاء الجاه عندهم ، ولا طلب المحمدة ، والمنزلة في قلوبهم ، ولا هربا من ذمهم. بل قد عدوا الناس بمنزلة أصحاب القبور ، لا يملكون لهم ضرا ولا نفعا ، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا. فالعمل لأجل هؤلاء ، وابتغاء الجاه والمنزلة عندهم ، ورجائهم للضر والنفع منهم ، لا يكون من عارف بهم البتة ، بل من جاهل بشأنهم ، وجاهل بربه ، فمن عرف الناس أنزلهم منازلهم. ومن عرف اللّه أخلص له أعماله وأقواله ، وعطاءه ومنعه وحبه وبغضه ، ولا يعامل أحد الخلق دون اللّه إلا لجهله باللّه وجهله بالخلق ، وإلا فإذا عرف اللّه وعرف الناس آثر معاملة اللّه على معاملتهم ، وكذلك أعمالهم كلها وعباداتهم موافقة لأمر اللّه ، ولما يحبه ويرضاه ، وهذا هو العمل الذي لا يقبل اللّه من عامل سواه. وهو الذي بلا عباده بالموت والحياة لأجله. قال اللّه تعالى 67 : 2 الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وجعل ما على الأرض زينة لها ليختبرهم أيهم أحسن عملا ، قال الفضيل بن عياض «1» : هو أخلصه وأصوبه. قالوا يا أبا على : ما أخلصه وأصوبه؟ قال : إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا.
لم يقبل. وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل ، حتى يكون خالصا صوابا ، والخالص : ما كان للّه ، والصواب : ما كان على السنة. وهذا هو المذكور في قوله تعالى 18 : 110 فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً ، وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً.
__________
(1) هو ابو على الفضيل بن عياض التميمي المروزي الزاهد الإمام أحد العلماء الأعلام ، قال فيه ابن المبارك : ما بقي على ظهر الأرض أفضل من الفضيل بن عياض وكان قد قدم الكوفة شابا فحمل عن منصور وطبقته ، قال شريك القاضي : فضيل حجة لأهل زمانه ، وقال ابن ناصر الدين : الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر أبو علي التميمي اليربوعي المروزي إمام الحرم شيخ الإسلام قدوة الأعلام حدث عنه الشافعي ويحيى القطان وغيرهما وكان إماما ربانيا كبير الشأن ثقة نبيلا عابدا زاهدا جليلا توفي في عام سنة سبع وثمانين ومائة. (انظر شذرات الذهب).


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 79
و في قوله 4 : 125 وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فلا يقبل اللّه من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه على متابعة أمره ، وما عدا ذلك فهو مردود على عامله ، يعود عليه أحوج ما هو إليه هباء منثورا. و
في الصحيح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد»
و كل عمل بلا اقتداء فإنه لا يزيد عامله من اللّه إلا بعدا. فإن اللّه تعالى إنما بعبد بأمره ، لا بالآراء والأهواء.
فصل
الضرب الثاني : من لا إخلاص له ولا متابعة. فليس عمله موافقا لشرع ، ولا هو خالصا للمعبود ، كأعمال المتزينين للناس المرائين لهم بما لم يشرعه اللّه ورسوله. وهؤلاء شرار الخلق وأمقتهم إلى اللّه عز وجل. ولهم أوفر نصيب من قوله 3 : 188 لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا. فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يفرحون بما أتوا من البدعة والضلالة والشرك ، ويحبون أن يحمدوا باتباع السنة والإخلاص.
وهذا الضرب يكثر فيمن انحرف من المنتسبين إلى العلم والفقر والعبادة عن الصراط المستقيم ، فإنهم يرتكبون البدع والضلالات ، والرياء والسمعة ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوه من الاتباع والإخلاص والعلم. فهم أهل الغضب والضلال.
الضرب الثالث : من هو مخلص في أعماله ، لكنها على غير متابعة الأمر ، كجهال العباد ، والمنتسبين إلى طريق الزهد والفقر ، وكل من عبد اللّه بغير أمره ، واعتقده قربة إلى اللّه فهذا حاله ، كمن يظن أن سماع المكاء والتصدية قربة ، وأن الخلوة التي يترك فيها الجمعة والجماعة قربة ، وأن مواصلة صوم النهار بالليل قربة ، وأن صيام يوم فطر الناس كلهم قربة. وأمثال ذلك.


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 80
الضرب الرابع : من أعماله على متابعة الأمر ، لكنها لغير اللّه. كطاعة المرائين ، وكالرجل يقاتل رياء وحمية وشجاعة ، ويحج ليقال ، ويقرأ القرآن ليقال ، فهؤلاء أعمالهم ظاهرها أعمال صالحة مأمور بها ، لكنها غير خالصة فلا تقبل 98 : 5 وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فكل أحد لم يؤمر إلا بعبادة اللّه بما أمر ، والإخلاص له في العبادة. وهم أهل «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ».
فصل
ثم أهل مقام «إياك نعبد» لهم في أفضل العبادة وأنفعها وأحقها بالإيثار والتخصص أربعة طرق. فهم في ذلك أربعة أصناف.
الصنف الأول : عندهم أنفع العبادات وأفضلها أشقها على النفوس وأصعبها.
قالوا : لأنه أبعد الأشياء من هواها ، وهو حقيقة التعبد.
قالوا : والأجر على قدر المشقة ، ورووا حديثا لا أصل له
«أفضل الأعمال أحمزها»
أي أصعبها وأشقها ، وهؤلاء : هم أهل المجاهدات والجور على النفوس.
قالوا : وإنما تستقيم النفوس بذلك ، إذ طبعها الكسل والمهانة ، والإخلاد إلى الأرض ، فلا تستقيم إلا بركوب الأهوال وتحمل المشاق.
الصنف الثاني : قالوا : أفضل العبادات التجرد ، والزهد في الدنيا ، والتقلل منها غاية الإمكان ، وطرح الاهتمام بها ، وعدم الاكتراث بكل ما هو منها.
ثم هؤلاء قسمان :
فعوامهم : ظنوا أن هذا غاية ، فشمروا إليه وعملوا عليه. ودعوا الناس


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 81
إليه ، وقالوا : هو أفضل من درجة العلم والعبادة ، فرأوا الزهد في الدنيا غاية كل عبادة ورأسها.
وخواصهم رأوا هذا مقصودا لغيره ، وأن المقصود به عكوف القلب على اللّه ، وجمع المهمة عليه ، وتفريغ القلب لمحبته ، والإنابة إليه ، والتوكل عليه ، والاشتغال بمرضاته. فرأوا أن أفضل العبادات في الجمعية على اللّه ، ودوام ذكره بالقلب واللسان ، والاشتغال بمراقبته ، دون كل ما فيه تفريق للقلب وتشتيت له.
ثم هؤلاء قسمان : فالعارفون المتبعون منهم : إذا جاء الأمر والنهي بادروا إليه ولو فرّقهم وأذهب جمعيتهم. والمنحرفون منهم يقولون : المقصود من العبادة جمعية القلب على اللّه. فإذا جاء ما يفرقه عن اللّه لم يلتفت إليه.
وربما يقول قائلهم :
يطالب بالأوراد من كان غافلا فكيف بقلب كل أوقاته ورد؟
ثم هؤلاء أيضا قسمان : منهم من يترك الواجبات والفرائض لجمعيته ، ومنهم من يقوم بها ، ويترك السنن والنوافل ، وتعلم العلم النافع لجمعيته.
وسأل هؤلاء شيخا عارفا فقال : إذا أذن المؤذن وأنا في جمعيتي على اللّه ، فإن قمت وخرجت تفرقت ، وإن بقيت على حالي بقيت على جمعيتي ، فما الأفضل في حقي؟.
فقال : إذا أذن المؤذن وأنت تحت العرش فقم ، وأجب داعي اللّه ، ثم عد إلى موضعك. وهذا لأن الجمعية على اللّه : حظ الروح والقلب ، وإجابة الداعي : حق الرب ، ومن آثر حظ روحه على حق ربه فليس من أهل «إياك نعبد».
الصنف الثالث : رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها ما كان فيه نفع متعد ، فرأوه أفضل من ذي النفع القاصر ، فرأوا خدمة الفقراء ، والاشتغال بمصالح


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 82
الناس وقضاء حوائجهم ، ومساعدتهم بالمال والجاه والنفع أفضل. فتصدوا له وعملوا عليه واحتجوا
بقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم «الخلق كلهم عيال اللّه ، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله» رواه أبو يعلي.
واحتجوا بأن عمل العابد قاصر على نفسه وعمل النفاع متعد إلى الغير ، وأين أحدهما من الآخر؟.
قالوا : ولهذا كان فضل العالم على العابد : كفضل القمر على سائر الكواكب.
قالوا : و
قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنه «لأن يهدي اللّه بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم»
و هذا التفضيل للنفع المتعدي ، واحتجوا
بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من أتبعه ، من غير أن ينتقض من أجورهم شي ء» «1»
و احتجوا
بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم «إن اللّه وملائكته يصلون على معلمي الناس الخير»
وبقوله صلّى اللّه عليه وسلّم «إن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض ، حتى الحيتان في البحر والنملة في حجرها».
واحتجوا بأن صاحب العبادة إذا مات انقطع عمله ، وصاحب النفع لا ينقطع عمله ما دام نفعه الذي نسب إليه.
واحتجوا بأن الأنبياء إنما بعثوا بالإحسان إلى الخلق وهدايتهم ، ونفعهم في معاشهم ومعادهم ، لم يبعثوا بالخلوات والانقطاع عن الناس والترهب ، ولهذا أنكر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على أولئك النفر الذين هموا بالانقطاع للتعبد ، وترك مخالطة الناس ، ورأي هؤلاء التفرق في أمر اللّه ونفع عباده والإحسان إليهم أفضل من الجمعية عليه بدون ذلك.
الصنف الرابع : قالوا : إن أفضل العبادة : العمل على مرضاة الرب
__________
(1) أخرجه الترمذي عن أبي هريرة برقم 2674.


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 83
في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته. فأفضل العبادات في وقت الجهاد : الجهاد ، وإن آل إلى ترك الأوراد ، من صلاة الليل وصيام النهار ، بل ومن ترك إتمام صلاة الفرض ، كما في حالة الأمن.
والأفضل في وقت حضور الضيف مثلا : القيام بحقه ، والاشتغال به عن الورد المستحب ، وكذلك في أداء حق الزوجة والأهل.
والأفضل في أوقات السحر «1» : الاشتغال بالصلاة والقرآن والدعاء والذكر والاستغفار.
والأفضل في وقت استرشاد الطالب ، وتعلم الجاهل : الإقبال على تعليمه والاشتغال به.
والأفضل في أوقات الأذان : ترك ما هو فيه من ورده والاشتغال بإجابة المؤذن.
والأفضل في أوقات الصلوات الخمس : الجد والنصح في إيقاعها على أكمل الوجوه ، والمبادرة إليها في أول الوقت ، والخروج إلى الجامع ، وإن بعد كان أفضل.
والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالجاه ، أو البدن أو المال : الاشتغال بمساعدته ، وإغاثة لهفته ، وإيثار ذلك على أورادك وخلوتك.
والأفضل في وقت قراءة القرآن : جمعية القلب والهمة على تدبره وتفهمه ، حتى كأن اللّه تعالى يخاطبك به ، فتجمع قلبك على فهمه وتدبره ، والعزم على تنفيذ أوامره أعظم من جمعية قلب من جاءه كتاب من السلطان على ذلك.
__________
(1) السحر قبيل الصبح ، تقول : لقيته سحرا إذا أردت به سحر ليلتك لم تصرفه لأنه معدول عن الألف واللام وهو معرفة وقد غلب عليه التعريف من غير إضافة ، ولا ألف ولام وإن أردت به نكرة صرفته ، قال اللّه تعالى : «إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ».


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 84
و الأفضل في وقت الوقوف بعرفة : الاجتهاد في التضرع والدعاء والذكر دون الصوم المضعف عن ذلك.
والأفضل في أيام عشر ذي الحجة : الإكثار من التعبد ، لا سيما التكبير والتهليل والتحميد. فهو أفضل من الجهاد غير المتعين.
والأفضل في العشر الأخير من رمضان : لزوم المسجد فيه والخلوة والاعتكاف دون التصدي لمخالطة الناس والاشتغال بهم ، حتى إنه أفضل من الإقبال على تعليمهم العلم وإقرائهم القرآن ، عند كثير من العلماء.
والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم أو موته : عيادته ، وحضور جنازته وتشييعه ، وتقديم ذلك على خلوتك وجمعيتك.
والأفضل في وقت نزول النوازل وأذاة الناس لك : أداء واجب الصبر مع خلطتك بهم ، دون الهرب منهم. فإن المؤمن الذي يخالط الناس ليصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يؤذونه.
والأفضل خلطتهم في الخير فهي خير من عزلتهم فيه ، وعزلتهم في الشر ، فهي أفضل من خلطتهم فيه. فإن علم أنه إذا خالطهم أزاله أو قلله فخلطتهم حينئذ أفضل من عزلتهم.
فالأفضل في كل وقت وحال : إيثار مرضاة اللّه في ذلك الوقت والحال.
والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه. وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق. والأصناف قبلهم أهل التعبد المقيد. فمتى خرج أحدهم عن النوع الذي تعلق به من العبادة وفارقه يرى نفسه كأنه قد نقض وترك عبادته. فهو يعبد اللّه على وجه واحد. وصاحب التعبد المطلق ليس له غرض في تعبد بعينه يؤثره على غيره ، بل غرضه تتبع مرضاة اللّه تعالى أين كانت. فمدار تعبده عليها. فهو لا يزال متنقلا في منازل العبودية ، كلما رفعت له منزلة عمل على سيره إليها ، واشتغل بها حتى تلوح له منزلة أخرى. فهذا دأبه في


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 85
السير حتى ينتهي سيره : فإن رأيت العلماء رأيته معهم. وإن رأيت العباد ، رأيته معهم. وإن رأيت المجاهدين رأيته معهم. وإن رأيت الذاكرين رأيته معهم ، وإن رأيت المتصدقين المحسنين رأيته معهم. وإن رأيت أرباب الجمعية وعكوف القلب على اللّه رأيته معهم ، فهذا هو العبد المطلق ، الذي لم تملكه الرسوم ، ولم تقيده القيود ، ولم يكن عمله على مراد نفسه ، وما فيه لذتها وراحتها من العبادات. بل هو على مراد ربه ولو كانت راحة نفسه ولذتها في سواه ، فهذا هو المتحقق بإياك نعبد وإياك نستعين حقا ، القائم بهما صدقا. ملبسه ما تهيأ ، ومأكله ما تيسر ، واشتغاله بما أمر به في كل وقت بوقته ، ومجلسه حيث انتهى ووجده خاليا ، لا تملكه إشارة ، ولا يتعبده قيد ، ولا يستولي عليه رسم ، حر مجرد ، دائر مع الأمر حيث دار ، يدين بدين الأمر أنّى توجهت ركائبه «1» ، ويدور معه حيث استقلت مضاربه يأنس به كل محق ، ويستوحش منه كل مبطل ، كالغيث حيث وقع نفع ، وكالنخلة لا يسقط ورقها ، وكلها منفعة حتى شوكها. وهو موضع الغلظة منه على المخالفين لأمر اللّه ، والغضب إذا انتهكت محارم اللّه ، فهو للّه وباللّه ومع اللّه ، قد صحب اللّه بلا خلق ، وصحب الناس بلا نفس. بل إذا كان مع اللّه عزل الخلائق من البين وتخلى عنهم ، وإذا كان مع خلقه عزل نفسه من الوسط وتخلى عنها ، فواها له. ما أغربه بين الناس ، وما أشدّ وحشته منهم ، وما أعظم أنسه باللّه وفرحه به ، وطمأنينته وسكونه إليه!! واللّه المستعان. وعليه التكلان.
فصل
ثم للناس في منفعة العبادة وحكمتها ومقصودها طرق أربعة. وهم في ذلك أربعة أصناف.
__________
(1) الركاب : الإبل التي يسار عليها الواحدة راحلة ولا واحد لها من لفظها ، والرّكاب جميع راكب.


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 86
الصنف الأول : نفاة الحكم والتعليل ، الذين يردون الأمر إلى محض المشيئة ، وصرف الإرادة. فهؤلاء عندهم القيام بها ليس إلا لمجرد الأمر من غير أن يكون سببا لسعادة في معاش ولا معاد ، ولا سببا لنجاة ، وإنما القيام بها لمجرد الأمر ومحض المشيئة ، كما قالوا في الخلق : إنه لم يخلق ما خلقه لعلة ، ولا لغاية هي المقصود به ، ولا لحكمة تعود إليه منه ، وليس في المخلوقات أسباب مقتضيات لمسبباتها ، ولا فيها قوى ولا طبائع ، فليست النار سببا للإحراق ، ولا الماء سببا للإدواء والتبريد ، وإخراج النبات ، ولا فيه قوة ولا طبيعة تقتضي ذلك ، وحصول الإحراق والري ليس بهما ، لكن بإجراء العادة الاقترانية على حصول هذا عند هذا ، لا بسببه ولا بقوة قامت به ، وهكذا الأمر عندهم في أمره الشرعي سواء ، لا فرق في نفس الأمر بين المأمور والمحظور ، ولكن المشيئة اقتضت أمره بهذا ونهيه عن هذا ، من غير أن يقوم بالمأمور به صفة اقتضت حسنه ، ولا المنهي عنه صفة اقتضت قبحه.
ولهذا الأصل لوازم وفروع كثيرة فاسدة. وقد ذكرناها في كتابنا الكبير المسمى (بمفتاح دار السعادة ومطلب أهل العلم والإرادة) وبينا فساد هذا الأصل من نحو ستين وجها ، وهو كتاب بديع في معناه. وذكرناه أيضا في كتابنا المسمى (بسفر الهجرتين وطريق السعادتين).
وهؤلاء لا يجدون حلاوة العبادة ولا لذتها ، ولا يتنعمون بها ، وليست قرة أعينهم ، وليست الأوامر سرور قلوبهم ، وغذاء أرواحهم وحياتهم ، ولهذا يسمونها تكاليف. أي قد كلفوا بها ، ولو سمى مدع لمحبة ملك من الملوك أو غيره ما يأمره به تكليفا ، وقال : إني إنما أفعله بكلفة ، لم يعده أحد محبا له ، ولهذا أنكر هؤلاء- أو كثير منهم- محبة العبد لربه. وقالوا : إنما يحب ثوابه وما يخلقه له من النعيم الذي يتمتع به ، لا أنه يحب ذاته. فجعلوا المحبة لمخلوقه دونه. وحقيقة العبودية : هي كمال المحبة ، فأنكروا حقيقة العبودية ولبّها. وحقيقة الإلهية : كونه مألوها محبوبا بغاية الحب ، المقرون


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 87
بغاية الذل والخضوع ، والإجلال والتعظيم ، فأنكروا كونه محبوبا. وذلك إنكار لإلهيته ، وشيخ هؤلاء : هو الجعد بن درهم الذي ضحّى به خالد بن القسري في يوم أضحى ، وقال : إنه زعم أن اللّه لم يكلم موسى تكليما ، ولم يتخذ إبراهيم خليلا ، وإنما كان إنكاره : لكونه تعالى محبوبا محبا ، لم ينكر حاجة إبراهيم إليه ، التي هي الخلة عند الجهمية التي يشترك فيها جميع الخلائق ، فكلهم أخلّاء للّه عندهم. وقد بينا فساد قولهم هذا وإنكارهم محبة اللّه من أكثر من ثمانين وجها في كتابنا المسمى (قرة عيون المحبين ، وروضة قلوب العارفين) وذكرنا فيه وجوب تعلق المحبة بالحبيب الأول من جميع طرق الأدلة النقلية والعقلية والذوقية والفطرية ، وأنه لا كمال للإنسان بدون ذلك البتة ، كما أنه لا كمال لجسمه إلا بالروح والحياة ، ولا لعينه إلا بالنور الباصر ، ولا لأذنه إلا بالسمع ، وأن الأمر فوق ذلك وأعظم.
فصل
الصنف الثاني : القدرية النفاة ، الذين يثبتون نوعا من الحكمة.
والتعليل لا يقوم بالرب ، ولا يرجع إليه ، بل يرجع إلى مجرد مصلحة المخلوق ومنفعته ، فعندهم : أن العبادات شرعت أثمانا لما يناله العباد من الثواب والنعيم ، وأنها بمنزلة استيفاء أجرة الأجير. قالوا : ولهذا يجعلها اللّه تعالى عوضا كقوله 7 : 43 وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وقوله ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وقوله هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ؟ و
قوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيما يحكي عن ربه عز وجل «يا عبادي ، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ، ثم أوفيكم إياها»
و قوله تعالى : 39 :
10 إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ قالوا : وقد سماه اللّه سبحانه جزاء وأجرا وثوابا. لأنه يثوب إلى العامل من عمله ، أي يرجع إليه منه.
قالوا : ولو لا ارتباطه بالعمل لم يكن لتسميته جزاء ، ولا أجرا ولا ثوابا معنى.


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 88
قالوا : ويدل عليه الوزن. فلو لا تعلق الثواب والعقاب بالأعمال واقتضائها لها ، وكونها كالأثمان لها لم يكن للوزن معنى. وقد قال تعالى :
7 : 8 ، 9 وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ، فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ.
وهاتان الطائفتان متقابلتان أشد التقابل. وبينهما أعظم التباين. فالجبرية لم تجعل للأعمال ارتباطا بالجزاء البتة ، وجوزت أن يعذب اللّه من أفنى عمره في طاعته ، وينعم من أفنى عمره في معصيته. وكرهما بالنسبة إليه سواء ، وجوزت أن يرفع صاحب العمل القليل على من هو أعظم عملا منه ، وأكثر وأفضل درجات. والكل عندهم راجع إلى محض المشيئة ، من غير تعليل ولا سبب ، ولا حكمة تقتضي هذا بالثواب ، وهذا بالعقاب.
والقدرية أوجبت عليه رعاية الأصلح. وجعلت كله بمحض الأعمال وثمنا لها ، وأن وصول الثواب إلى العبد بدون عمله تنغيص باحتمال منّة الصدقة عليه بلا ثمن.
فقاتلهم اللّه ما أجهلهم باللّه وأغرّهم به ، جعلوا تفضله وإحسانه إلى العبد على العبد ، حتى قالوا : إن إعطاءه ما يعطيه أجرة على عمله أحب إلى العبد وأطيب له من أن يعطيه فضلا منه بلا عمل.
فقابلتهم الجبرية أشد المقابلة. ولم يجعلوا للأعمال تأثيرا في الجزاء البتة.
والطائفتان جائرتان ، منحرفتان عن الصراط المستقيم ، الذي فطر اللّه عليه عباده ، وجاءت به الرسل ، ونزلت به الكتب. وهو أن الأعمال : أسباب موصلة إلى أثواب والعقاب. مقتضيات لهما كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها ، وأن الأعمال الصالحة من توفيق اللّه وفضله ومنّه ، وصدقته على عبده ، إن أعانه عليها ووفقه لها ، وخلق فيه إرادتها والقدرة عليها ، وحبّبها إليه ، وزينها في قلبه وكرّه إليه أضدادها ، ومع هذا فليست ثمنا لجزائه وثوابه ، ولا هي على قدرة ،


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 89
بل غايتها- إذا بذل العبد فيها نصحه وجهده ، وأوقعها على أكمل الوجوه- :
أن تقع شكرا له على بعض نعمه عليه ، فلو طالبه بحقه لبقيت عليه من الشكر على تلك النعمة بقية لم يقع بشكرها. فلذلك
لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم ، كما ثبت ذلك عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم
، ولهذا نفي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم دخول الجنة بالعمل ، كما
قال «لن يدخل الجنة أحدا منكم الجنة بعمله»
وفي لفظ لن يدخل أحدا الجنة منكم الجنة بعمله»
وفي لفظ «لن ينجي أحدا منكم عمله ، قالوا :
و لا أنت يا رسول اللّه؟ قال : ولا أنا ، إلا أن يتغمدني اللّه برحمة منه وفضل»
و أثبت سبحانه دخول الجنة بالعمل ، كما في قوله : 16 : 32 ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ولا تنافي بينهما. إذ توارد النفي والإثبات ليس على معنى واحد ، فالمنفيّ استحقاقها بمجرد الأعمال ، وكون الأعمال ثمنا وعوضا لها :
ردا على القدرية ، التي زعمت أن التفضل بالثواب ابتداء متضمن لتكرير المنة.
وهذه الطائفة من أجهل الخلق باللّه ، وأغلظهم عنه حجابا. وحقّ لهم أن يكونوا مجوس هذه الأمة ، ويكفي في جهلهم باللّه : أنهم لم يعلموا : أن أهل سماواته وأرضه في منته ، وأن من تمام الفرح والسرور والغبطة واللذة :
اغتباطهم بمنة سيدهم ومولاهم الحق ، وأنهم إنما طاب لهم عيشهم بهذه المنة. وأعظمهم منه منزلة ، وأقربهم إليه : أعرفهم بهذه المنة ، وأعظمهم إقرارا بها ، وذكرا لها ، وشكرا عليها ، ومحبة له لأجلها ، فهل ينقلب أحد قط إلا في منته؟ 49 : 17 يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ، قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ ، بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
واحتمال منة المخلوق : إنما نقصا لأنه نظيره. فإذا منّ عليه استعلى عليه ، ورأى الممنون عليه نفسه دونه ، هذا مع أنه ليس في كل مخلوق ، فلرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المنة على أمته ، وكان أصحابه يقولون : «اللّه ورسوله أمنّ» ولا نقص في منة الوالد على ولده ، ولا عار عليه في احتمالها ، وكذلك السيد


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 90
على عبده ، فكيف برب العالمين الذي إنما يتقلب الخلائق في بحر منته عليهم ، ومحض صدقته عليهم : بلا عوض منهم البتة؟ وإن كانت أعمالهم أسبابا لما ينالونه من كرمه وجوده. فهو المنان عليهم. بأن وفقهم لتلك الأسباب وهداهم لها ، وأعانهم عليها ، وكملها لهم ، وقبلها منهم على ما فيها؟ وهذا هو المعنى الذي أثبت به دخول الجنة في قوله بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
فهذه باء السببية ، ردا على القدرية والجبرية ، الذين يقولون : لا ارتباط بين الأعمال والجزاء ، ولا هي أسباب له ، وإنما غايتها أن تكون أمارات.
قالوا : وليست أيضا مطردة ، لتخلف الجزاء عنها في الخير والشر.
فلم يبق إلا محض الأمر الكوني والمشيئة.
فالنصوص مبطلة لقول هؤلاء : كما هي مبطلة لقول أولئك ، وأدلة المعقول والفطرة أيضا تبطل قول الفريقين ، وتبين لمن له قلب ولب : مقدار قول أهل السنة. وهم الفرقة الوسط. المثبتون لعموم مشيئة اللّه ، وقدرته ، وخلقه العباد وأعمالهم ، ولحكمته التامة المتضمنة ربط الأسباب بمسبباتها ، وانعقادها بها شرعا وقدرا ، وترتيبها عليها عاجلا وآجلا.
وكل واحدة من الطائفتين المنحرفتين تركت نوعا من الحق ، وارتكبت لأجله نوعا من الباطل ، بل أنواعا ، وهدى اللّه أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه 2 : 213 وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ و62 :
4 ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
فصل
الصنف الثالث : الذين زعموا أن فائدة العبادة : رياضة النفوس ، واستعدادها لفيض العلوم عليها. وخروج قواها عن قوى النفوس السبعية والبهيمية ، فلو عطلت عن العبادات لكانت من جنس نفوس السباع والبهائم ،


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 91
و العبادات تخرجها عن مألوفاتها وعوائدها ، وتنقلها إلى مشابهة العقول المجردة ، فتصير عالمة قابلة لا تناقش صور العلوم والمعارف فيها ، وهذا يقوله طائفتان.
أحدهما : من يقرب إلى النبوات والشرائع من الفلاسفة ، القائلين بقدم العالم ، وعدم الشقاق الأفلاك ، وعدم الفاعل المختار.
الطائفة الثانية : من تفلسفت : من صوفية الإسلام. وتقرب إلى الفلاسفة.
فإنهم يزعمون أن العبادات رياضات لاستعداد النفوس وتجردها ، ومفارقتها العالم الحسي ، ونزول الواردات والمعارف عليها.
ثم من هؤلاء من لا يوجب العبادات إلا لهذا المعنى ، فإذا حصل لها بقي مخيرا في حفظ أوراده ، أو الاشتغال بالوارد عنها ، ومنهم من يوجب القيام بالأوراد والوظائف. وعدم الإخلال بها ، وهم صنفان أيضا.
أحدهما : من يوجبونه حفظا للقانون ، وضبطا للناموس.
والآخرون : الذين يوجبونه حفظا للوارد ، وخوفا من تدرج النفس بمفارقتها له إلى حالتها الأولى من البهيمية.
فهذه نهاية أقدام المتكلمين على طريق السلوك. وغاية مفارقتهم بحكم العبادة وما شرعت لأجله ، ولا تكاد تجد في كتب القوم غير هذه الطرق الثلاثة ، على سبيل الجمع ، أو على سبيل البدل.
فصل
و أما الصنف الرابع وهم الطائفة : المحمدية الإبراهيمية : أتباع الخليلين ، العارفون باللّه وحكمته في أمره وشرعه وخلقه ، وأهل البصائر في عبادته ، ومراده بها.


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 92
فالطوائف الثلاثة محجوبون عنهم بما عندهم من الشبه الباطلة ، والقواعد الفاسدة ، ما عندهم وراء ذلك شيء ، قد فرحوا بما عندهم من المحال ، وقنعوا بما ألفوه من الخيال ، ولو علموا أن وراءه ، ما هو أجل منه وأعظم ، لما ارتضوا بدونه ، ولكن عقولهم قصرت عنه ، ولم يهتدوا إليه بنور النبوة ، ولم يشعروا به ليجتهدوا في طلبه ، ورأوا أن ما معهم خير من الجهل ، ورأوا تناقض ما مع غيرهم وفساده.
فتركّب من هذه الأمور إيثار ما عندهم على ما سواه ، وهذه بلية الطوائف. والمعافي من عافاه اللّه.
فاعلم أن سر العبودية وغايتها وحكمتها : إنما يطلع عليها من عرف صفات الرب عز وجل ، ولم يعطلها ، وعرف معنى الإلهية وحقيقتها ، ومعنى كونه إلها ، بل هو الإله الحق ، وكل إله سواه فباطل ، بل أبطل الباطل ، وأن حقيقة الإلهية لا تنبغي إلا له ، وأن العبادة موجب إلهيته وأثرها ومقتضاها ، وارتباطها بها كارتباط متعلق الصفات بالصفات ، وكارتباطه المعلوم بالعلم ، والمقدور بالقدرة ، والأصوات بالسمع ، والإحسان بالرحمة ، والعطاء بالجود. فمن أنكر حقيقة الإلهية ولم يعرفها كيف يستقيم له معرفة حكمة العبادات وغاياتها ومقاصدها وما شرعت لأجله؟ وكيف يستقيم له معرفة حكمة هي الغاية المقصودة بالخلق ، ولها خلقوا ، ولها أرسلت الرسل ، وأنزلت الكتب ، ولأجلها خلقت الجنة والنار؟ وأن فرض تعطيل الخليقة عنها : نسبة للّه إلى ما لا يليق به ، ويتعالى عنه من خلق السموات والأرض بالحق ، ولم يخلقهما باطلا. ولم يخلق الإنسان عبثا ولم يتركه سدى مهملا ، قال تعالى :
23 : 115 أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ؟ أي لغير شيء ولا حكمة ، ولا لعبادتي ومجازاتي لكم ، وقد صرح تعالى بهذا في قوله 51 : 56 وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فالعبادة : هي الغاية التي خلق لها الجن والإنس والخلائق كلها. قال اللّه تعالى : 75 : 36


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 93
أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً؟ أي مهملا. قال الشافعي : لا يؤمر ولا ينهى ، وقال غيره : لا يثاب ولا يعاقب ، والصحيح : الأمران. فإن الثواب والعقاب مترتب على الأمر والنهي والأمر والنهي هو طلب العبادة وإرادتها ، وحقيقة العبادة امتثالهما. وقال تعالى : 3 : 191 وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ : رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ. فَقِنا عَذابَ النَّارِ وقال 15 : 85 وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وقال 45 : 22 وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ، وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ.
فأخبر أنه خلق السموات والأرض بالحق المتضمن : أمره ونهيه ، وثوابه وعقابه.
فإذا كانت السموات والأرض وما بينهما خلقت لهذا ، وهو غاية الخلق ، فكيف يقال : إنه لا علة له ، ولا حكمة مقصودة هي غايته؟ أو إن ذلك لمجرد استئجار العباد حتى لا ينكّد عليهم الثواب بالمنة ، أو لمجرد استعداد النفوس للمعارف العقلية. وارتياضها بمخالفة العوائد؟.
فليتأمل اللبيب الفرقان بين هذه الأقوال ، وبين ما دل عليه صريح الوحي يجد أن أصحاب هذه الأقوال ما قدروا اللّه حق قدره ، ولا عرفوه حق معرفته.
فاللّه تعالى إنما خلق الخلق لعبادته الجامعة لكمال محبته. مع الخضوع له والانقياد لأمره.
فأصل العبادة : محبة اللّه ، بل إفراده بالمحبة ، وأن يكون الحب كله للّه. فلا يحب معه سواه ، وإنما يحب لأجله وفيه ، كما يحب أنبياءه ورسله وملائكته وأولياءه ، فمحبتنا لهم من تمام محبته ، وليست محبة معه ، كمحبة من يتخذ من دون اللّه أندادا يحبونهم كحبه.


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 94
و إذا كانت المحبة له حقيقة عبوديته وسرها. فهي إنما تتحقق باتباع أمره ، واجتناب نهيه. فعند اتباع الأمر واجتناب النهي تتبين حقيقة العبودية والمحبة. ولهذا جعل تعالى اتباع رسوله علما عليها ، وشاهدا لمن ادعاها ، فقال تعالى : 3 : 31 قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ فجعل اتباع رسوله مشروطا بمحبتهم للّه ، وشرطا لمحبة اللّه لهم ، ووجود المشروط ممتنع بدون وجود شرطه وتحققه بتحققه فعلم انتفاء المحبة عند انتفاء المتابعة. فانتفاء محبتهم للّه لازم لانتفاء المتابعة لرسوله ، وانتفاء المتابعة ملزوم لانتفاء محبة اللّه لهم ، فيستحيل إذا ثبوت محبتهم للّه ، وثبوت محبة اللّه لهم بدون المتابعة لرسوله.
ودل على أن متابعة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : هي حب اللّه ورسوله ، وطاعة أمره ، ولا يكفي ذلك في ا

description سلسلة تفسيرُ القرآن لابْن القيّم!؟ من كتاب تفسير ابْن القيّم الجوزية لبَعْض آيات القرآن! Emptyرد: سلسلة تفسيرُ القرآن لابْن القيّم!؟ من كتاب تفسير ابْن القيّم الجوزية لبَعْض آيات القرآن!

more_horiz
تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 95
طاعته أو مرضاته ظنا منه أنه لا يأمر ولا يحكم ولا يقول إلا ما قاله الرسول.
فيطيعه ، ويحاكم إليه ، ويتلقى أقواله كذلك ، فهذا معذور إذا لم يقدر على غير ذلك. وأما إذا قدر على الوصول إلى الرسول ، وعرف أن غير من اتبعه هو أولى به مطلقا ، أو في بعض الأمور. ولم يلتفت إلى الرسول ولا إلى من هو أولى به ، فهذا الذي يخاف عليه. وهو داخل تحت الوعيد. فإن استحل عقوبة من خالفه وأذله ، ولم يوافقه على اتباع شيخه. فهو من الظلمة المعتدين. وقد جعل اللّه لكل شيء قدرا.
فصل
و بنى «إياك نعبد» على أربع قواعد : التحقق بما يحبه اللّه ورسوله ويرضاه من قول اللسان ، والقلب ، وعمل القلب والجوارح.
فالعبودية : اسم جامع لهذه المراتب الأربع. فأصحاب «إياك نعبد» حقا هم أصحابها.
فقول القلب : هو اعتقاد ما أخبر اللّه سبحانه به عن نفسه وعن أسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته ولقائه على لسان رسله.
وقول اللسان : الإخبار عنه بذلك ، والدعوة إليه ، والذبّ عنه ، وتبيين بطلان البدع المخالفة له ، والقيام بذكره ، وتبليغ أوامره.
وعمل القلب : كالمحبة له ، والتوكل عليه ، والإنابة إليه ، والخوف منه والرجاء له ، وإخلاص الدين له ، والصبر على أوامره ، وعن نواهيه وعلى أقداره ، والرضى به وعنه ، والموالاة فيه ، والمعاداة فيه ، والذل له والخضوع ، والإخبات إليه ، والطمأنينة به ، وغير ذلك من أعمال القلوب التي فرضها أفرض من أعمال الجوارح ومستحبها أحب إلى اللّه من مستحبها ، وعمل الجوارح بدونها إما عديم المنفعة أو قليل المنفعة.
وأعمال الجوارح : كالصلاة والجهاد ، ونقل الأقدام إلى الجمعة


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 96
و الجماعات ، ومساعدة العاجز ، والإحسان إلى الخلق ونحو ذلك.
فإياك نعبد : التزام لأحكام هذه الأربعة ، وإقرار بها ، و«إياك نستعين» طلب للاعانة عليها والتوفيق لها ، و«اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ» متضمن للتعريف بالأمرين على التفصيل ، وإلهام القيام بهما ، وسلوك طريق السالكين إلى اللّه بهما
فصل
و جميع الرسل إنما دعوا إلى «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» فإنهم كلهم دعوا إلى توحيد اللّه وعبادته ، من أولهم إلى آخرهم. فقال نوح لقومه 7 :
59 اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وكذلك قال هود وصالح وشعيب 7 :
65 ، 73 ، 85 وإبراهيم. قال اللّه تعالى : 16 : 36 وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ وقال 21 : 25 وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ وقال تعالى :
23 : 51 ، 52 يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ، وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ.
فصل
و اللّه تعالى جعل العبودية وصف أكمل خلقه ، وأقربهم إليه. فقال :
4 : 172نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ ، وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ. وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً
و قال 40 : 60 إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ وهذا يبين أن الوقف التام في قوله 21 : 19 وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ هاهنا ، ثم يبتدئ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ. يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ فهما جملتان تامتان مستقلتان : أي إن له من في السموات ومن في الأرض عبيدا وملكا. ثم


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 97
استأنف جملة أخرى فقال وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ يعني أن الملائكة الذين عنده لا يستكبرون عن عبادته لا يأنفون عنها ولا يتعاظمون ولا يستحسرون ، فيعيون وينقطعون ، يقال حسر واستحسر ، إذا تعب وأعيا ، بل عبادتهم وتسبيحهم كالنفس لبني آدم ، فالأول : وصف لعبيد ربوبيته.
والثاني : وصف لعبيد إلهيته وقال تعالى : 25 : 63- 77 وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً إلى آخر السورة. وقال 76 : 6 عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً وقال 38 : 17 وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ وقال 38 : 41 وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ وقال 38 : 45 وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وقال عن سليمان 38 : 30 نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ وقال عن المسيح 43 : 59 إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ فجعل غايته العبودية لا الإلهية ، كما يقول أعداؤه النصارى ، ووصف أكرم خلقه عليه ، وأعلاهم عنده منزلة بالعبودية في أشرف مقاماته.
فقال تعالى : 2 : 23 وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا وقال تبارك وتعالى : 25 : 1 تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ وقال 18 : 1 الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ فذكره بالعبودية في مقام إنزال الكتاب عليه والتحدي بأن يأتوا بمثله ، وقال 72 : 19 وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً فذكره بالعبودية في مقام الدعوة إليه. وقال 17 : 1 سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا فذكره بالعبودية في مقام الإسراء. و
في الصحيح عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم فإنما أنا عبد.
فقولوا عبد اللّه ورسوله»
وفي الحديث «أنا عبد آكل كما يأكل العبيد ، وأجلس كما يجلس العبيد»
وفي صحيح البخاري عن عبد اللّه بن عمرو قال «قرأت في التوراة صفة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم : محمد رسول اللّه ، عبدي ورسولي ، سميته المتوكل. ليس بفظّ ولا غليظ ، ولا صخّاب بالأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويغفر».


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 98
و جعل سبحانه البشارة المطلقة لعباده ، فقال تعالى : 39 : 17 ، 18 فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ وجعل الأمن المطلق لهم ، فقال تعالى : 43 : 68 ، 69 يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ وعزل الشيطان عن سلطانه عليهم خاصة ، وجعل سلطانه على من تولاه وأشرك به. فقال 15 : 42 إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ، إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ وقال 16 : 99 ، 100 إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ، إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ.
وجعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إحسان العبودية على مراتب الدين ، وهو الإحسان.
فقال في حديث جبريل- وقد سأله عن الإحسان- : «أن تعبد اللّه كأنك تراه. فإن لم تكن تراه فإنه يراك» «1»
. فصل
في لزوم «إياك نعبد» لكل عبد إلى الموت قال اللّه تعالى لرسوله 15 : 99 وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ وقال أهل النار 74 : 46 ، 47 وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ واليقين هاهنا : هو الموت بإجماع أهل التفسير. و
في الصحيح ، في قصة موت عثمان بن مظعون رضي اللّه عنه : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال «أما عثمان فقد جاءه اليقين من ربه»
أي الموت وما فيه. فلا ينفك العبد من العبودية ما دام في دار التكليف ، بل عليه في البرزخ عبودية أخرى لما يسأله الملكان «من كان يعبد؟ وما يقول في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؟» ويلتمسان منه الجواب.
وعليه عبودية أخرى يوم القيامة ، يوم يدعو اللّه الخلق كلهم إلى السجود ، فيسجد المؤمنون ، ويبقى الكفار والمنافقون لا يستطيعون
__________
(1) أخرجه الترمذي برقم 2610.


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 99
السجود ، فإذا دخلوا دار الثواب والعقاب انقطع التكليف هناك ، وصارت عبودية أهل الثواب تسبيحا مقرونا بأنفاسهم لا يجدون له تعبا ولا نصبا.
ومن زعم أنه يصل إلى مقام يسقط عنه التعبد فهو زنديق ، كافر باللّه ورسوله ، وإنما وصل إلى مقام الكفر باللّه ، والانسلاخ من دينه ، وكلما تمكن العبد في منازل العبودية كانت عبوديته أعظم ، والواجب عليه منها أكثر من الواجب على من دونه. ولهذا كان الواجب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، بل على جميع الرسل أعظم من الواجب على أممهم. والواجب على أولى العزم :
أعظم من الواجب على من دونهم ، والواجب على أولى العلم : أعظم من الواجب على من دونهم ، وكل أحد بحسب مرتبته.
فصل
في انقسام العبودية إلى عامة وخاصة العبودية نوعان : عامة ، وخاصة.
فالعبودية العامة : عبودية أهل السموات والأرض كلهم للّه ، برّهم وفاجرهم ، مؤمنهم وكافرهم. فهذه عبودية القهر والملك. قال تعالى :
19 : 88- 93 وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا. تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا. أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً. وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً. إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً فهذا يدخل فيه مؤمنهم وكافرهم.
وقال تعالى : 25 : 17 وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ. فَيَقُولُ : أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ فسماهم عباده مع ضلالهم ، لكن تسمية مقيدة بالإشارة ، وأما المطلقة فلم تجيء إلا لأهل النوع الثاني ، كما سيأتي بيانه إن شاء اللّه.
وقال تعالى : 39 : 46 قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 100
الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
و قال 40 : 31 وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ 40 : 48 إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ فهذا يتناول العبودية الخاصة والعامة.
وأما النوع الثاني : فعبودية الطاعة والمحبة ، واتباع الأوامر. قال تعالى : 43 : 68 يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ وقال 39 : 17 ، 18 فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ وقال 25 : 63 ، 64 وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ، وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً وقال تعالى عن إبليس 15 : 40 لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ فقال تعالى : 15 :
40 : 41 إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ.
فالخلق كلهم عبيد ربوبيته ، وأهل طاعته وولايته : هم عبيد إلهيته.
ولا يجيء في القرآن إضافة العباد إليه مطلقا إلا لهؤلاء.
وأما وصف عبيد ربوبيته بالعبودية : فلا يأتي إلا على أحد خمسة أوجه : إما منكرا. كقوله إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً والثاني : معرفا باللام كقوله 40 : 31 وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ 40 : 48 إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ.
الثالث : مقيدا بالإشارة أو نحوها كقوله أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ.
الرابع : أن يذكروا في عموم عباده. فيندرجوا مع أهل طاعته في الذكر. كقوله 39 : 46 أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.
الخامس : أن يذكروا موصوفين بفعلهم. كقوله 39 : 53 قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.
وقد يقال : إنما سماهم عباده إذ لم يقنطوا من رحمته ، وأنابوا إليه ،


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 101
و اتبعوا أحسن ما أنزل إليهم من ربهم ، فيكونون من عبيد الإلهية والطاعة.
وإنما انقسمت العبودية إلى خاصة وعامة : لأن أصل معنى اللفظة :
الذل والخضوع. يقال : «طريق معبد» إذا كان مذللا بوطء الأقدام ، وفلان عبّده الحب إذا ذلله ، لكن أولياؤه خضعوا له وذلوا طوعا واختيارا ، وانقيادا لأمره ونهيه ، وأعداؤه خضعوا له قهرا ورغما.
ونظير انقسام العبودية إلى خاصة وعامة : انقسام القنوت إلى خاص وعام ، والسجود كذلك. قال تعالى في القنوت الخاص 39 : 9 أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ وقال في حق مريم 66 : 12 وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ وهو كثير في القرآن.
وقال في القنوت العام 2 : 116 وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ أي خاضعون أذلاء.
وقال في السجود الخاص 40 : 60 إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ وقال 19 : 58 إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا وهو كثير في القرآن.
وقال في السجود العام 13 : 15 وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ.
ولهذا كان هذا السجود الكره غير السجود المذكور في قوله 22 :
18 أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فخص بالسجود هنا كثيرا من الناس وعمهم بالسجود في سورة النحل 16 : 249 وهو سجود الذل والقهر والخضوع. فكل أحد خاضع لربوبيته ، ذليل لعزته. مقهور تحت سلطانه تعالى.


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 102
فصل
في مراتب «إياك نعبد» علما وعملا للعبودية مراتب ، بحسب العلم والعمل. فأما مراتبها العلمية فمرتبتان :
إحداهما : العلم باللّه. والثانية : العلم بدينه.
فأما العلم به سبحانه ، فخمس مراتب : العلم بذاته ، وصفاته ، وأفعاله ، وأسمائه ، وتنزيهه عما لا يليق به.
والعلم بدينه مرتبتان. إحداهما : دينه الأمر الشرعي. وهو الصراط المستقيم الموصل إليه.
والثانية : دينه الجزائي ، المتضمن ثوابه وعقابه ، وقد دخل في هذا العلم العلم بملائكته وكتبه ورسله.
وأما مراتبها العلمية فمرتبتان : مرتبة لأصحاب اليمين ، ومرتبة للسابقين المقربين.
فأما مرتبة أصحاب اليمين : فأداء الواجبات ، وترك المحرمات ، مع ارتكاب المباحات وبعض المكروهات ، وترك بعض المستحبات.
وأما مرتبة المقربين : فالقيام بالواجبات والمندوبات ، وترك المحرمات والمكروهات ، زاهدين فيما لا ينفعهم في معادهم ، متورعين عما يخافون ضرره.
وخاصتهم : قد انقلبت المباحات في حقهم طاعات وقربات بالنية فليس في حقهم مباح متساو الطرفين ، بل كل أعمالهم راجحة ، ومن دونهم يترك المباحات مشتغلا عنها بالعبادات ، وهؤلاء يأتونها إطاعات وقربات ، ولأهل هاتين المرتبتين درجات لا يحصيها إلا اللّه.


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 103
فصل
و رحى العبودية على خمس عشرة قاعدة. من كملها كمل مراتب العبودية وبيانها : أن العبودية منقسمة على القلب ، واللسان ، والجوارح.
وعلى كل منها عبودية تخصه.
والأحكام التي للعبودية خمسة : واجب ، ومستحب ، وحرام ، ومكروه ، ومباح ، وهي لكل واحد من القلب واللسان ، والجوارح. فواجب القلب : منه متفق على وجوبه ، ومختلف فيه.
فالمتفق على وجوبه : كالإخلاص ، والمحبة ، والصبر ، والإنابة ، والخوف ، والرجاء ، والتصديق الجازم ، والنية في العبادة ، وهذه قدر زائد على الإخلاص ، فإن الإخلاص هو إفراد المعبود عن غيره.
ونية العبادة لها مرتبتان.
إحداهما : تمييز العبادة عن العادة.
والثانية : تمييز مراتب العبادات بعضها عن بعض.
والأقسام الثلاثة واجبة.
وكذلك الصدق. والفرق بينه وبين الإخلاص : أن للعبد مطلوبا وطلبا ، فالإخلاص : توحيد مطلوبه. والصدق : توحيد طلبه.
فالإخلاص : أن لا يكون المطلوب منقسما. والصدق : أن لا يكون الطلب منقسما : فالصدق بذل الجهد ، والإخلاص : إفراد المطلوب واتفقت الأمة على وجوب هذه الأعمال على القلب من حيث الجملة.
وكذلك النصح في العبودية. ومدار الدين عليه ، وهو بذل الجهد في


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 104
إيقاع العبودية على الوجه المحبوب للرب المرضى له. وأصل هذا واجب وكماله مرتبة المقربين.
وكذلك كل واحد من هذه الواجبات القلبية له طرفان ، واجب مستحق. وهو مرتبة أصحاب اليمين ، وكمال مستحب. وهو مرتبة المقربين.
وكذلك الصبر واجب باتفاق الأمة ، قال الإمام أحمد : ذكر اللّه الصبر في تسعين موضعا من القرآن ، أو بضعا وتسعين ، وله طرفان أيضا : واجب مستحق ، وكمال مستحب.
[ثم ذكر القسم الواجب المختلف فيه- إلى أن قال ].
والمقصود : أن يكون ملك الأعضاء- وهو القلب- قائما بعبوديته للّه هو ورعيته وأما المحرمات التي عليه : فالكبر ، والرياء ، والعجب ، والحسد ، والغفلة ، والنفاق ، وهي نوعان : كفر ومعصية. فالكفر كالشك ، والنفاق والشرك ، وتوابعها.
والمعصية نوعان : كبائر وصغائر.
فالكبائر : كالرياء ، والعجب ، والكبر ، والفخر ، والخيلاء ، والقنوط من رحمة اللّه ، واليأس من روح اللّه ، والأمن من مكر اللّه ، والفرح والسرور بأذى المسلمين ، والشماتة بمصيبتهم ، ومحبة أن تشيع الفاحشة فيهم ، وحسدهم على ما آتاهم اللّه من فضله ، وتمني زوال ذلك عنهم ، وتوابع هذه الأمور التي هي أشد تحريما من الزنا ، وشرب الخمر ، وغيرهما من الكبائر الظاهرة ، ولا صلاح للقلب ولا للجسد إلا باجتنابها ، والتوبة منها ، وإلا فهو قلب فاسد ، وإذا فسد القلب فسد البدن.
وهذه الآفات إنما تنشأ من الجهل بعبودية القلب ، وترك القيام بها.


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 105
فوظيفة «إياك نعبد» على القلب قبل الجوارح فإذا جهلها وترك القيام بها امتلأ بأضدادها ولا بد. وبحسب قيامه بها يتخلص من أضدادها.
وهذه الأمور ونحوها قد تكون صغائر في حقه ، وقد تكون كبائر بحسب قوتها وغلظها وخفتها ودقتها.
ومن الصغائر أيضا : شهوة المحرمات وتمنيها ، وتفاوت درجات الشهوة في الكبر والصغر ، بحسب تفاوت درجات المشتهي ، فشهوة الكفر والشرك : كفر ، وشهوة البدعة : فسق ، وشهوة الكبائر : معصية ، فإن تركها للّه مع قدرته عليها أثيب. وإن تركها عجزا عن بذله مقدورة في تحصيلها : استحق عقوبة الفاعل ، لتنزله منزلته في أحكام الثواب والعقاب ، وإن لم ينزل منزلته في أحكام الشرع ، ولهذا
قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : «إذا تواجه المسلمان بسيفيهما ، فالقاتل والمقتول في النار ، قالوا : هذا القاتل يا رسول اللّه ، فما بال المقتول؟ قال : إنه كان حريصا على قتل صاحبه» «1»
فنزله منزلة القاتل ، لحرصه في الإثم دون الحكم ، وله نظائر كثيرة في الثواب والقلب.
وقد علم بهذا مستحب القلب ومباحه.
فصل
و أما عبوديات اللسان الخمس : فواجبها : النطق بالشهادتين ، وتلاوة ما يلزمه تلاوته من القرآن. وهو ما يتوقف صحة صلاته عليه ، وتلفظه بالأذكار الواجبة في الصلاة التي أمر اللّه بها ورسوله ، كما أمر بالتسبيح في الركوع والسجود ، وأمر بقول : «ربنا ولك الحمد» بعد الاعتدال الواجبة بالتشهد ، وأمر بالتكبير.
ومن واجبه : رد السلام. وفي ابتدائه قولان. ومن واجبه : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتعليم الجاهل ، وإرشاد الضال ، وأداء
__________
(1) أخرج النسائي حديثا مقاربا له 7/ 124.


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 106
الشهادة المتعينة ، وصدق الحديث.
وأما مستحبه : فتلاوة القرآن ودوام ذكر اللّه ، والمذاكرة في العلم النافع ، وتوابع ذلك.
وأما محرمة فهو النطق بكل ما يبغضه اللّه ورسوله ، كالنطق بالبدع المخالفة لما بعث اللّه به رسوله ، والدعاء إليها وتحسينها وتقويتها ، وكالقذف وسب المسلم ، وأذاه بكل قول ، والكذب ، وشهادة الزور ، والقول على اللّه بلا علم ، وهو أشدها تحريما.
ومكروهه : التكلم بما تركه خير من الكلام به ، مع عدم العقوبة عليه.
وقد اختلف السلف. هل في حقه كلام مباح متساوي الطرفين؟ على قولين. ذكرهما ابن المنذر وغيره. أحدهما : أنه لا يخلو كل ما يتكلم به :
إما أن يكون له أو عليه. وليس في حقه شيء لا له ولا عليه.
واحتجوا
بالحديث المشهور ، وهو «كل كلام ابن آدم عليه لا له ، إلا ما كان من ذكر اللّه وما والاه» «1».
واحتجوا بأنه يكتب عليه كلامه كله. ولا يكتب إلا بالخير والشر.
وقالت طائفة : بل هذا الكلام مباح لا له ولا عليه كما في حركات الجوارح.
قالوا : لأنّ كثيرا من الكلام لا يتعلق به أمر ولا نهي. وهذا شأن المباح.
والتحقيق : أن حركة اللسان بالكلام لا تكون متساوية الطرفين ، بل إما راجحة وإما مرجوحة. لأن للسان شأنا ليس لسائر الجوارح ، وإذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان ، تقول : اتق اللّه فإنما نحن بك ، فإن
__________
(1) أخرجه الترمذي عن أم حبيبة برقم 2412.
وأخرجه البخاري في التاريخ عن أم حبيبة بلفظ : كل كلام ابن آدم عليه لا له إلّا أمره بالمعروف 1/ 1/ 262.


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 107
استقمت استقمنا ، وإن اعوججت اعوججنا. وأكثر ما يكبّ الناس على مناخرهم في النار حصائد ألسنتهم ، وكل ما يتلفظ به اللسان فإما أن يكون مما يرضي اللّه ورسوله أولا ، فإن كان كذلك فهو الراجح ، وإن لم يكن كذلك فهو المرجوح. وهذا بخلاف حركات سائر الجوارح ، فإن صاحبها ينتفع بتحريكها في المباح المستوي الطرفين ، لما له في ذلك من الراحة والمنفعة ، فأبيح له استعمالها فيما فيه منفعة له ، ولا مضرة عليه فيه في الآخرة ، وأما حركة اللسان بما لا ينتفع به فلا يكون إلا مضرة. فتأمله.
فإن قيل : فقد يتحرك بما فيه منفعة دنيوية مباحة مستوية الطرفين.
فيكون حكم حركته حكم ذلك الفعل.
قيل : حركته بها عند الحاجة إليها راجحة ، وعند عدم الحاجة إليها مرجوحة لا تفيده. فتكون عليه لا له.
فإن قيل : فإذا كان الفعل متساوي الطرفين كانت حركة اللسان الوسيلة إليه كذلك ، إذ الوسائل تابعة للمقصود في الحكم.
قيل : لا يلزم ذلك. فقد يكون الشيء مباحا ، بل واجبا ، ووسيلته مكروهة كالوفاء بالطاعة المنذورة : هو واجب ، مع أن وسيلته ، وهو النذر مكروه منهي عنه ، وكذلك الحلف المكروه مرجوح ، مع وجوب الوفاء به أو الكفارة ، وكذلك سؤال الخلق عند الحاجة مكروه. ويباح له الانتفاع بما أخرجته له المسألة ، وهذا كثير جدا. فقد تكون الوسيلة متضمنة مفسدة تكره أو تحرم لأجلها ، وما جعلت وسيلة إليه ليس بحرام ولا مكروه.
فصل
و أما المعبودات الخمس على الجوارح : فعلى خمس وعشرين مرتبة أيضا : إذ الحواس خمسة. وعلى كل حاسة خمس عبوديات ، فعلى السمع : وجوب الإنصات ، والاستماع لما أوجبه اللّه ورسوله عليه ، من


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 108
استماع الإسلام والإيمان وفروضهما ، وكذلك استماع القراءة في الصلاة إذا جهر بها الإمام ، واستماع الخطبة للجمعة في أصح قولي العلماء.
ويحرم عليه استماع الكفر والبدع ، إلا حيث يكون في استماعه مصلحة راجحة. من ردّه ، أو الشهادة على قائله ، أو زيادة قوة الإيمان والسنة بمعرفة ضدهما من الكفر والبدعة ونحو ذلك ، وكاستماع أسرار من يهرب عنك بسره ، ولا يجب أن يطلعك عليه ، ما لم يكن متضمنا لحق اللّه يجب القيام به ، أو لأذى مسلم يتعين نصحه ، وتحذيره منه.
وكذلك استماع أصوات النساء الأجانب التي تخشى الفتنة بأصواتهن ، إذا لم تدع إليه حاجة ، من شهادة ، أو معاملة ، أو استفتاء ، أو محاكمة ، أو مداواة ونحوها.
وكذلك استماع المعازف وآلات الطرب واللهو ، كالعود والطنبور واليراع ونحوها. ولا يجب عليه سدّ أذنه إذا سمع الصوت ، وهو لا يريد استماعه ، إلا إذا خاف السكون إليه والإنصات ، فحينئذ يجب تجنب سماعها وجوب سد الذرائع.
ونظير هذا المحرم : لا يجوز له تعمد شم الطيب ، وإذا حملت الريح رائحته وألقتها في مشامّه لم يجب عليه سد أنفه ، ونظير هذا : نظرة الفجأة لا تحرم على الناظر ، وتحرم عليه النظرة الثانية إذا تعمدها.
وأما السمع المستحب : فكاستماع المستحب من العلم ، وقراءة القرآن ، وذكر اللّه ، واستماع كل ما يحبه اللّه ، وليس بفرض.
والمكروه : عكسه ، وهو استماع كل ما يكرهه ولا يعاقب عليه ، والمباح ظاهر.
وأما النظر الواجب : فالنظر في المصحف وكتب العلم عند تعين تعلم الواجب منها ، والنظر إذا تعين لتمييز الحلال من الحرام في الأعيان التي


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 109
يأكلها وينفقها ويستمتع بها ، والأمانات التي يؤديها إلى أربابها ليميز بينها.
ونحو ذلك.
والنظر الحرام : النظر إلى الأجنبيات بشهوة مطلقا ، وبغيرها إلّا لحاجة ، كنظر الخاطب ، والمستام والمعامل ، والشاهد ، والحاكم ، والطبيب ، ذي المحرم.
والمستحب : النظر في كتب العلم والدين التي يزداد بها الرجل إيمانا وعلما والنظر في المصحف ووجوه العلماء الصالحين ، الوالدين ، والنظر في آيات اللّه المشهودة ، ليستدل بها على توحيده ومعرفته وحكمته.
والمكروه : فضول النظر الذي لا مصلحة فيه. فإن له فضولا كما للسان فضولا ، وكم قاد فضولها إلى فضول عزّ التخلص منها ، وأعيي دواؤها. وقال بعض السلف : كانوا يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام.
والمباح : النظر الذي لا مضرة فيه في العاجل والآجل ولا منفعة.
ومن النظر الحرام : النظر إلى العورات. وهي قسمان.
عورة وراء الثياب ، وعورة وراء الأبواب.
ولو نظر في العورة التي وراء الأبواب فرماه صاحب العورة ففقأ عينه لم يكن عليه شيء ، وذهبت هدرا ، بنص رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديث المتفق على صحته. وإن ضعفه بعض الفقهاء ، لكونه لم يبلغه النص ، أو تأوله ، وهذا إذا لم يكن للناظر سبب يباح لأجله ، كعورة له هناك ينظرها. أو ريبة هو مأمور أو مأذون له في اطلاعها.
وأما الذوق الواجب : فتناول الطعام والشراب عند الاضطرار إليه ، وخوف الموت ، فإن تركه حتى مات ، مات عاصيا قاتلا لنفسه. قال الإمام


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 110
أحمد وطاوس «1» : من اضطر إلى أكل الميتة فلم يأكل حتى مات ، دخل النار.
ومن هذا : تناول الدواء إذا تيقن به من الهلاك ، على أصح القولين.
وإن ظن الشفاء به ، فهل هو مستحب مباح ، أو الأفضل تركه؟ فيه نزاع معروف بين السلف والخلف.
والذوق الحرام : كذوق الخمر والسموم القاتلة. والذوق الممنوع منه للصوم الواجب.
وأما المكروه : فكذوق المشتبهات ، والأكل فوق الحاجة ، وذوق طعام الفجاءة ، وهو الطعام الذي تفجأ آكله ، ولم يرد أن يدعوك إليه ، وكأكل أطعمة المرائين في الولائم والدعوات ونحوها ، و
في السنن : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : «نهى عن طعام المتبارين»
و ذوق طعام من يطعمك حياء منك لا بطيبة نفس.
والذوق المستحب : أكل ما يعينك على طاعة اللّه عز وجل ، مما أذن اللّه فيه. والأكل مع الضيف ليطيب له الأكل ، فينال منه غرضه. والأكل من طعام صاحب الدعوة الواجب إجابتها أو المستحب.
وقد أوجب بعض الفقهاء الأكل من الوليمة الواجب إجابتها ، للأمر به عن الشارع.
__________
(1) هو الإمام طاوس بن كيسان اليماني الجندي الخولاني أحد الأعلام علما وعملا أخذ عن عائشة وطائفة ، قال عمرو بن دينار : ما رأيت أحدا قط مثل طاوس ، ولما ولي عمر بن عبد العزيز كتب إليه طاوس : إن أردت أن يكون عملك كله خيرا فاستعمل أهل الخير فقال عمر : كفى بها موعظة ، توفي حاجا بمكة قبل يوم التروية بيوم وصلّى عليه هشام بن عبد الملك ، كان أعلم التابعين بالحلال والحرام. توفي سنة ست ومائة. (انظر شذرات الذهب).


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 111
و الذوق المباح : ما لم يكن فيه إثم ولا رجحان.
وأما تعلق العبوديات الخمس بحاسة الشم ، فالشم الواجب : كل شم تعين طريقا للتمييز بين الحلال والحرام ، كالشم الذي يعلم به هذه العين هل هي خبيثة أو طيبة؟ وهل هي سم قاتل أو لا مضرة فيه؟ أو يميز به بين ما يملك الانتفاع به ، وما لا يملك؟ ومن هذا شم المقوّم وربّ الخبرة عند الحكم بالتقويم ، والعبيد ونحو ذلك.
وأما الشم الحرام : فالتعمد لشم الطيب في الإحرام ، وشم الطيب المغصوب والمسروق ، وتعمد شم الطيب من النساء الأجنبيات للافتتان بما وراءه.
وأما الشم المستحب : فشم ما يعينك على طاعة اللّه ويقوي الحواس ، ويبسط النفس للعلم والعمل. ومن هذا : هدية الطيب والريحان إذا أهديت لك.
ففي صحيح مسلم عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : «من عرض عليه ريحان فلا يرده.
فإنه طيب الريح ، خفيف المحمل».
«1»
و المكروه : كشم الظّلمة ، وأصحاب الشبهات ، ونحو ذلك.
والمباح : ما لا منع فيه من اللّه ولا تبعة ، ولا فيه مصلحة دينية ولا تعلق له بالشرع.
وأما تعلق هذه الخمسة بحاسة اللمس. فاللمس الواجب : كلمس الزوجة حين يجب جماعها ، والأمة الواجب إعفافها.
والحرام : لمس ما لا يحل من الأجنبيات.
والمستحب : إذا كان فيه غض بصره وكف نفسه عن الحرام وإعفاف أهله.
__________
(1) أخرجه النسائي بلفظ : من عرض عليه طيب فلا يرده 8/ 189.


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 112
و المكروه : لمس الزوجة في الإحرام للذة ، وكذلك في الاعتكاف. وفي الصيام إذا لم يأمن على نفسه.
ومن هذا لمس بدن الميت- لغير غاسله- لأن بدنه قد صار بمنزلة عورة الحي تكريما له ، ولهذا يستحب ستره عن العيون وتغسيله في قميص في أحد القولين ، ولمس فخذ الرجل ، إذا قلنا : هو عورة.
والمباح : ما لم يكن فيه مفسدة ولا مصلحة دينية.
وهذه المراتب أيضا مرتّبة على البطش باليد والمشي بالرجل. وأمثلها لا تخفى.
فالتكسب المقدور للنفقة على نفسه وأهل عياله : واجب. وفي وجوبه لقضاء دينه خلاف ، والصحيح : وجوبه ليمكنه من أداء دينه ، ولا يجب لإخراج الزكاة وفي وجوبه لأداء فريضة الحج نظر ، والأقوى في الدليل :
وجوبه لدخوله في الاستطاعة ، وتمكنه بذلك من أداء النسك. والمشهور عدم وجوبه.
ومن البطش الواجب : إعانة المضطر ورمي الجمار ، ومباشرة الوضوء والتيمم.
والحرام : كقتل النفس التي حرم اللّه ، ونهب المال المغصوب ، وضرب من لا يحل ضربه ونحو ذلك ، وكأنواع اللعب المحرم بالنص كالنّرد ، أو ما هو أشد تحريما منه عند أهل المدينة كالشطرنج ، أو مثله عند فقهاء الحديث كأحمد وغيره ، أو دونه عند بعضهم. ونحو كتابة البدع المخالفة للسنة تصنيفا أو نسخا ، إلا مقرونا بردها ونقضها ، وكتابة الزور والظلم ، والحكم الجائر ، والقذف والتشبيب بالنساء الأجانب ، وكتابة ما فيه مضرة على المسلمين في دينهم أو دنياهم ، ولا سيما إن كسبت عليه مالا : 2 : 9 79 فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ وكذلك كتابة


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 113
المفتي على الفتوى ما يخالف حكم اللّه ورسوله ، إلا أن يكون مجتهدا مخطئا ، فالإثم موضوع عنه.
وأما المكروه : فكالعبث واللعب الذي ليس بحرام ، وكتابة ما لا فائدة في كتابته ، ولا منفعة فيه في الدنيا والآخرة.
والمستحب : كتابة كل ما فيه منفعة في الدين ، أو مصلحة لمسلم ، والإحسان بيده بأن يعين صانعا ، أو يصنع لأخرق ، أو يفرغ من دلوه في دلو المستسقي ، أو يحمل له على دابته ، أو يمسكها حتى يحمل عليها ، أو يعاونه بيده فيما يحتاج إليه ونحو ذلك ، ومنه : لمس الركن بيده في الطواف ، وفي تقبيلها بعد اللمس قولان.
والمباح : ما لا مضرة فيه ولا ثواب.
وأما المشي الواجب : فالمشي إلى الجمعات والجماعات ، في أصح القولين لبضعة وعشرين دليلا ، مذكورة في غير هذا الموضع. والمشي حول البيت للطواف الواجب ، والمشي بين الصفا والمروة بنفسه أو بمركوبه ، والمشي إلى حكم اللّه ورسوله إذا دعي إليه ، والمشي إلى صلة رحمه ، وبر والديه ، والمشي إلى مجالس العلم الواجب طلبه وتعلمه ، والمشي إلى الحج إذا قربت المسافة ولم يكن عليه فيه ضرر.
والحرام : المشي إلى معصية اللّه ، وهو من رجل الشيطان. قال تعالى : 17 : 64 وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ قال مقاتل «1» :
__________
(1) هو أبو الحسن مقاتل بن سليمان الأزدي مولاهم الخراساني المفس وقال في المغني : مقاتل بن سليمان البلخي هالك كذبه وكيع والنسائي. وقال ابن الأهول : كان نبيلا واتهم في الرواية ، قال مرة : سلوني عما دون العرش ، فقيل له : من حلق رأس آدم لما حج؟
و قال له آخر : الذرة أو النملة معاؤها في مقدمها أو مؤخرها فلم يدر ما يقول وقال :
ليس هذا علمكم لكن بليت به لعجبي بنفسي ، وسأله المنصور : لم خلق اللّه الذباب ، فقال : ليذل به الجبابرة ، وقال الشافعي : الناس عيال على مقاتل بن سليمان في


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 114
استعن عليهم بركبان جندك ومشاتهم. فكل راكب وماش في معصية اللّه فهو من جند إبليس.
وكذلك تعلق هذه الأحكام الخمس بالركوب أيضا :
فواجبه في الركوب في الغزو والجهاد والحج الواجب.
ومستحبه : في الركوب المستحب من ذلك ، ولطلب العلم ، وصلة الرحم ، وبر الوالدين ، وفي الوقوف بعرفة نزاع : هل الركوب فيه أفضل ، أم على الأرض؟ والتحقيق : أن الركوب أفضل إذا تضمن مصلحة : من تعليم للمناسك ، واقتداء به ، وكان أعون على الدعاء ولم يكن فيه ضرر على الدابة.
وحرامه : الركوب في معصية اللّه عز وجل.
ومكروهه : الركوب للهو واللعب ، وكل ما تركه خير من فعله.
ومباحه : الركوب لما لم يتضمن فوت أجر ، ولا تحصيل وزر.
فهذه خمسون مرتبة على عشرة أشياء : القلب ، واللسان ، والسمع ، والبصر ، والأنف ، والفم ، واليد ، والرجل ، والفرج ، والإستواء على ظهر الدابة.
__________
التفسير وعلى زهير بن أبي سلمى في السقر وعلى أبي حنيفة في الفقه وعلى الكسائي في النحو وعلى ابن إسحاق في المغازي. توفي سنة خمسين ومائة. (انظر شذرات الذهب).


تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) ، ص : 115 .

 سلسلة تفسيرُ القرآن لابْن القيّم!؟ من كتاب تفسير ابْن القيّم الجوزية لبَعْض آيات القرآن! Images?q=tbn:ANd9GcQOR6hEXAMl8iaJjev2xK8pIiHodyd7qn-kQmN_oqQvZxW9x518


privacy_tip صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
power_settings_newقم بتسجيل الدخول للرد